صنعاء| ظهر الوضع الرسمي اليمني أمس مرتبكاً إلى درجة تشير إلى اختناق حقيقي داخل أروقة الحكم، بعدما وصلت موجة الاستقالات إلى داخل الحكومة عبر تقديم وزير الأوقاف القاضي حمود الهتار استقالته من الحكومة، احتجاجاً على القمع الذي واجهت السلطات به الحركات الاحتجاجية الدائرة حالياً في عموم المحافظات اليمنية.


وكالعادة، ظهر الخبر الرسمي أن الرئيس علي عبد الله صالح أجرى تعديلاً محدوداً في حكومة محمد علي مجوّر، من دون المرور على خبر الاستقالة التي حصلت أول من أمس. وتركت السلطات الأمر لصحيفة الحزب الحاكم «الميثاق» لنشر خبر يقول إن الوزير المستقيل متّهم بقضايا فساد وسيحال على النيابة قريباً، في تناس متعمّد للقائمين على أمور هذا الحزب أن الهتار تولى لسنوات طويلة مهمة محاورة الشباب العائدين من أفغانستان ومن سجن غوانتنامو.
ارتباك انعكس على التعيينات الوزارية التي أعلنها الرئيس، فعمد إلى تعيين وزير الشباب والرياضة حمود عباد في وزارته القديمة، الأوقاف، خلفاً للهتار، متجاهلاً التهم التي تلاحق عباد من قبل محافظ مدينة الحديدة من أنه هو من يشرف على أعمال البلطجة في المدينة. كذلك عيّن الرئيس اليمني عارف الزوكا وزيراً للشباب، وهذا الأخير هو من ضمن الأسماء الموجودة في القائمة السوداء في ساحة التغيير، ممن يشرفون على أعمال البلطجة في صنعاء.
تعيينات أظهرت الرئيس اليمني كأنه لا يهتم أبداً بما سيقال عن اعتبار هذا التعيين بمثابة تكريم لثقافة «البلطجة» التي ظهرت في توقيت مواز لقيام ثورة الشباب في
اليمن.
في غضون ذلك، تتوالى النجاحات التي يحققها المحتجون المطالبون بتنحية صالح، بعدما تمكنوا من السيطرة سلماً على محافظة الجوف شرقي صنعاء. ووفقاً لما أكدته مصادر خاصة لـ«الأخبار»، خرجت مسيرة سلمية أمس باتجاه مبنى المجمع الحكومي للمحافظة، وعند وصولها حدثت مشادة كلامية بين عدد من أفرادها وحرس المجمع الذي لم تكن أبوابه محصنة، ما أدى إلى دخول الشباب إلى المبنى بسهولة، قبل أن تعمد عناصر تابعة للحزب الحاكم إلى إطلاق الرصاص الحي باتجاه المحتجين، ما أدى إلى إصابة عدد من الشباب بجراح بعضها خطرة.
وفي موازاة ذلك، عاشت محافظة مأرب، القريبة من الجوف، حالة قصوى من الفلتان الأمني، بعد خروج الوضع عن السيطرة واندلاع مصادمات بين متظاهرين وقوات أمنية، إثر تحذير وجهه ملتقى قبائل مأرب إلى أجهزة السلطة من مغبة الإغراق في استخدام العنف وقمع الاعتصامات السلمية لشباب الثورة في المحافظة. ولم تمض ساعات قليلة على هذا التحذير حتى وقعت المصادمات على نطاق واسع في المحافظة، انتهت بمقتل ثلاثة جنود وإصابة نحو 36 شخصاً، بينهم المحافظ الذي تلقّى ضربة في عنقه عن طريق سلاح أبيض، من دون أن تعرف على وجه الدقة حقيقة الظروف التي رافقت حالة الطعن
هذه.
وزاد من حالة الارتباك الذي تعيشه السلطة، التمدد الذي تحرزه ثورة الشباب في «ساحة التغيير». وبعدما كسبت مساحة جغرافية جديدة أبعد من المساحة التي كانت في حوزتها، لم تجد السلطات اليمنية أمس وسيلة لمنع التدفق غير بناء جدران عازلة من الباطون في المداخل المؤدية إلى الساحة. مهمة أُسندت إلى اللجان الشعبية التي أعلنت رسمياً، ودافع أركان حرب الأمن المركزي، يحيى محمد عبد الله صالح (ابن شقيق الرئيس) عن إنشائها قائلاً «إنها لجان أُنشئت عفوياً من قبل الأهالي للدفاع عن
أنفسهم».
لكن ظهر هذا الإجراء بلا جدوى، إثر فتح الجهة الشمالية من «ساحة التغيير» لدخول معتصمين جدد استطاعوا العبور تحت حماية أفراد من الفرقة الأولى المدرعة، بعدما تعرضوا لمضايقات من أفراد تابعين للأمن المركزي كانوا قريبين من تلك الجهة. وقد عُدّ هذا التحول إشارة من قائد الفرقة، علي محسن الأحمر، إلى أنه يقف إلى جوار المطالب التي ينادي بها المعتصمون في الساحة.
وقد يكون في هذه الواقعة تأكيد للأخبار التي تداولتها مصادر صحافية عن زيارة قام بها رئيس الجمهورية في الأسبوع الماضي لمقر الفرقة الأولى، اجتمع خلالها مع علي محسن الأحمر ليطلب منه التدخل لإيقاف التمدد المتنامي لحركة الساحة أو السيطرة عليها. طلب قوبل بالرفض من قبل الأحمر، متذرعاً بأن هذا الطلب ليس من ضمن مهمات قوات فرقته، في تأكيد إضافي لوصول العلاقة بين الرئيس وأخيه غير الشقيق إلى طريق مسدود.
في غضون ذلك، تواصلت الاحتجاجات في باقي المحافظات اليمنية، وتحديداً في تعز التي شهدت مسيرات حاشدة ردّد خلالها المشاركون شعارات تطالب صالح بالرحيل، فيما أصيب 6 أشخاص برصاص قناصة في دار سعد في عدن.
من جهة ثانية، طلبت السلطات الفرنسية من مواطنيها المقيمين في اليمن مغادرة البلد نتيجة لتدهور الوضع الأمني فيه، مخافة أن يسبب لهم مشاكل كثيرة.
تحذير أتى بالتزامن مع اقتحام أفراد يرتدون زياً مدنياً منزلاً في صنعاء القديمة كان يقيم فيه أربعة صحافيون أجانب يحملون الجنسية الأميركية والبريطانية. وبحسب موقع «المصدر أون لاين»، فإنه تبيّن، في ما بعد، أن المسلحين يتبعون الأمن اليمني، وقد اعتُقل الصحافيون الأجانب لنحو 4 ساعات قبل أن يُسمح لهم بالعودة إلى المنزل برفقة 6 جنود لحزم أمتعتهم وترحيلهم، تحت ذريعة «الحفاظ على الأمن الوطني».