غزة | اليوم يتحقّق حلم أبو يزن وأبو جورج. سيخرج الصديقان إلى الشارع، لا للعمل هذه المرة. فاليوم هو موعدهما ورفاقهما مع «هبّة شعبية» تحاكي الثورتين الشعبيتين في تونس ومصر.

يترقب أبو يزن، وهو اسم مستعار لشاب في أواخر العشرينيات من عمره، بكثير من القلق والأمل هذا اليوم الذي حدّده ورفاقه للخروج إلى الشارع في مسيرات شعبية سلمية، وعدم العودة إلى بيوتهم إلا بعد إنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني. يشعر أبو يزن ورفاقه السبعة من «شباب غزة نحو التغيير»، بكثير من الفخر بما حققوه حتى اللحظة، بعد حشد الشباب الفلسطيني في الداخل والخارج، وتوحيدهم تحت شعار «الشعب يريد إنهاء الانقسام»، وهو اسم الصفحة التي دشنوها على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» بعد أربعة أيام فقط من نجاح الثورة المصرية في إطاحة الرئيس حسني مبارك في 11 شباط الماضي.
يقول أبو يزن إن فكرة العمل على حملة «إنهاء الانقسام» راودته ورفاقه قبل اندلاع الثورة المصرية، لكنه أقر بأن نجاح الثورة في مصر مثّل لهم «دافعاً قوياً» للخروج إلى الشوارع ومغادرة «دائرة الغضب الإلكتروني»، للضغط على أطراف الانقسام. يبدو فخوراً بمستوى «الوعي والوطنية» لدى الشباب القائمين على حملة «إنهاء الانقسام»، وتغليبهم المصلحة الوطنية على أي مصلحة أخرى. وقال «هدفنا نبيل، والوسائل للوصول إلى تحقيق هذا الهدف يجب أن تكون سلمية ونبيلة، ونعمل من منطلق أن فلسطين أكبر منا جميعاً، أكبر من فتح وحماس والفصائل والسلطة نفسها». أبو يزن ورفاقه السبعة كانوا أول من أسس صفحة على «فايسبوك» بعنوان «الشعب يريد إنهاء الانقسام»، سرعان ما انضم إليها آلاف المعجبين من فلسطين والعالم أيضاً، ما دفع مجموعات شبابية أخرى إلى إنشاء صفحات تحمل العنوان نفسه وتسعى إلى الهدف ذاته. يقدر عدد الصفحات هذه بنحو 180 صفحة، انضم إليها أكثر من مليون ونصف مؤيد حول العالم، معظمهم من الفلسطينيين المشتتين في أميركا وأوروبا ودول عربية.
أدرك القائمون على هذه الصفحات أنه لا يمكنهم مواجهة الانقسام وهم منقسمون على أنفسهم، فنجحوا سريعاً بتحقيق ما فشلت في تحقيقه حركتا «فتح» و«حماس» على مدار ثلاثة أعوام ونصف، وتوحدوا في إطار واحد.
ثلاث مجموعات شبابية هي «شباب غزة نحو التغيير»، «شباب 5 حزيران» و«شباب 15 آذار»، تحالفت مع 13 مجموعة شبابية أخرى من الضفة الغربية، وأطلقت على المجموعة الجديدة اسم «الحراك الشعبي لإنهاء الانقسام». يقول أبو جورج إنهم لم يواجهوا صعوبة في التوحد، «فليس بيننا من يسعى إلى مصلحة شخصية أو حزبية، بل هدفنا مصلحة فلسطين الأرض والإنسان». وأضاف: «أُنشئت غرفة عمليات مشتركة مؤلفة من 16 ممثلاً عن المجموعات الست عشرة، اتفقوا جميعاً على موعد الهبة الجماهيرية اليوم».
ويشرح أبو جورج هدف اختياره لهذا الاسم ذي المدلول المسيحي، علماً بأنه مسلم، قائلاً: «أردت أن أثبت أن فلسطين أكبر منا جميعاً. لا فرق بين فتحاوي أو حمساوي، ولا فرق بين مسلم ومسيحي»، مضيفاً: «الكل يتألم من هذا الانقسام، ويجب وضع حد له، واستعادة الوحدة».
ينفي أبو جورج بشدة تلقي «أي تمويل من أي جهة أو شخص كان»، ويؤكد أن «القائمين على الحملة والمؤمنين بأفكارها وأهدافها يعملون على نحو طوعي، وليس لهم أي ارتباطات سياسية، بعدما تحرروا من ثوب الحزبية وارتدوا ثوب الوطنية». كذلك استهجن محاولات البعض التشكيك في نيات «الشباب» واتهامهم بعدم المسؤولية، وملاحقتهم واعتقالهم وتوجيه ألفاظ نابية لهم في مراكز التحقيق، لا لسبب سوى «لشعور كل طرف من طرفي الانقسام بأن الهبّة الجماهيرية تستهدفه، وهذا غير صحيح». وقال: «لسنا ضد فتح أو حماس. نحن ضد الانقسام»، لافتاً إلى انضمام شباب من أعضاء الحركتين لهذا «الحراك الشعبي»، لكن «بصفتهم الشخصية لا التنظيمية».
ويبدي أبو جورج تفاؤلاً كبيراً بنجاح «الهبّة الشعبية»، واستجابة مئات الآلاف في غزة والضفة، ما سيمثّل «ضغطاً حقيقياً» على طرفي الانقسام للجلوس على طاولة الحوار وإنهاء الانقسام، بعدما أفشلا جميع المبادرات المحلية والعربية لتحقيق هذه الغاية. لكنه لا يخفي قلقه من طريقة تعاطي أجهزة الأمن والشرطة مع المتظاهرين، رغم «الطمأنات التي وصلتنا من حماس بعد لقاء قادة في الحراك الشعبي مع قادة من الحركة، بأن أجهزة الأمن في غزة ستوفر لنا الحماية ولن تستخدم القوة لقمعنا». مصدر قلق أبو جورج مرده إلى الملاحقة والاعتقالات خلال الأيام الماضية من جهاز المباحث في حكومة «حماس» لقادة الحراك الشعبي وعناصره، وتوقيفهم لساعات والاعتداء عليهم لرفضهم توقيع تعهدات بـ«احترام الشريعة الإسلامية والأخلاق». وإزاء الرفض القاطع من شباب الحراك الشعبي لتوقيع تعهدات بهذه الصيغة، قدمت الشرطة صيغة جديدة تتضمن تعهدهم «التزام القانون وإشعار وزارة الداخلية بأي فعاليات أو نشاطات ميدانية»، وقعها المحتجون وحُرِّروا بعد ساعات.
هذا في غزة. أما في الضفة الغربية، فقد ألغت فصائل ومنظمات أهلية قبل يومين مؤتمراً ضد الانقسام، بضغط من السلطة الفلسطينية و«فتح»، بدعوى أن «الانقسام موجود في غزة فقط». وقال أبو جورج إن قادة «الحراك الشعبي» يعملون على مدار الساعة حالياً للتنسيق مع الفصائل والمؤسسات الأهلية والحقوقية وشخصيات مستقلة ووجهاء عائلات لـ«ضمان» مشاركتها في «الهبّة الجماهيرية» و«تكوين درع واقية» للشباب. وأضاف أن «غرفة العمليات المشتركة ألفت لجنة من نحو 200 عنصر، ستقتصر مهمتها على الفصل بين المتظاهرين وعناصر الشرطة والأجهزة الأمنية، وضبط أي محاولة عصبية أو فوضوية، ومنع الاعتداء على أي مؤسسة عامة أو خاصة، والحفاظ على شعار الحراك، وتوحد الجميع تحت راية واحدة هي العلم الفلسطيني لا أي راية حزبية». وأكد أبو جورج أنه «إذا اعتدت علينا الشرطة فسنرميها بالورود. لن نواجه الاعتداء بأي عنف».




وحدة... وحدة

شارك مئات الشبان الفلسطينيين في مسيرة في غزة أمس، مطالبين بإنهاء الانقسام الداخلي وتحقيق المصالحة الفلسطينية. وانطلق المتظاهرون في المسيرة التي دعت إليها الحملة الشعبية لإنهاء الانقسام، من جامعات غزة باتجاه ميدان الجندي المجهول، وهتفوا «الشعب يريد إنهاء الانقسام، ومش حنروح مش حنام حتى ننهي الانقسام، ووحدة... وحدة». ورفعت خلال المسيرة الأعلام الفلسطينية وبعض اللافتات التي تدعو إلى رفع الحصار وفتح المعابر وإنهاء الانقسام، فيما تنوعت الفاعليات بين مرددين لبعض الأناشيد الوطنية وموزعين للبيانات التي دعت إلى المشاركة في المسيرة الحاشدة لإنهاء الانقسام اليوم. من جهة أخرى، دعا الناطق الإعلامي باسم الحراك الشبابي محمد الشيخ يوسف، خلال مؤتمر صحافي في غزة، «جميع الحملات والجهود الشبابية التي تدعو إلى إنهاء الانقسام إلى التوحد مع بعضها».
أعلن رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة، إسماعيل هنية، دعمه الجهود الفصائلية والشبابية الداعية إلى إنهاء الانقسام «على أساس حماية الثوابت الفلسطينية والوحدة الجغرافية والوطنية لشعبنا». وأضاف أنه «يؤيد التحركات المحكومة بالسقف الوطني على هذا الصعيد في الضفة الغربية والقطاع».
(يو بي آي)