نيويورك | بالنسبة إلى مراقب الحرب الليبية عن بعد، يمكن أن تحل الأمور بفرض منطقة حظر طيران في الأجواء وحسب. دور الطيران لم يكن في أي يوم من الأيام حاسماً في المعارك الدائرة، رغم أنه بالتأكيد مضايق.

المشكلة الحقيقية أن الجغرافيا الليبية تبقى أكبر من حجم قوات الثوار وقدراتهم على الانتشار. تمدّدوا بسرعة في أراضٍ مكشوفة تفتقر إلى الهضاب والأحراج، فضلاً عن عدم بذل جهود حقيقية للتخفّي. كانوا يتنقلون بسيارات مكشوفة على الطريق الوحيد، أو سيراً على الأقدام وهم يلهثون وراء انتصار سريع، يدفعهم إليه الاستبسال غير المقرون بالخبرة، والقلق على سكان محاصرين والرغبة الرومانسية في تحقيق انتصار خاطف على غرار تجربتي تونس ومصر.
كلها أمور جعلتهم ضعفاء، مكشوفين من البر والبحر والسماء. وتركتهم لقمة سائغة لكتائب مدربة، وأخرى غريبة من المرتزقة، تتمتع بكل وسائل الرصد والفتك، ولا ينقصها من الاستعداد سوى الرحمة.
يدرك العقيد القذافي أن الدول الغربية في شرقيّ الأطلسي وغربيّه ليست واثقة منه أو من الثوار. دول تريد ضمان مصالحها النفطية والتجارية في ليبيا ما بعد الأزمة. كما أن القذافي يدرك أنها منهمكة بالكثير من المشاكل الداخلية والخارجية، بما لا يدعها قادرة على منحه القسط الأول من الاهتمام. صحيح أن النفط الليبي حاجة ملحّة لبعض المصافي الغربية، لكن غرق جيوشها في الرمل الليبي حالياً قد يتركها ضعيفة في معالجة أزمات أخرى من العراق والبحرين إلى اليمن، أو في الجبهة الجيوفيزيائية الناشئة في اليابان، حيث توجد أكبر مصالحها الاقتصادية على الإطلاق والتي باتت مهددة بتلوث نووي من العيار الثقيل.
لذلك لديها متسع من الوقت لكي تعود إلى ليبيا عندما تنضج المعارك. فإذا سارت في مصلحة العقيد، تستطيع الاستفادة من القرارات التي صدرت بحقه، ومن الأموال الطائلة التي احتجزتها من أجل انتزاع كل ما تريد منه مرغماً.
أما إذا راوحت المعارك مكانها، كأن يخسر أو يكسب العقيد موقعاً بسبب ثغَر أو انشقاقات، فإن الثوار أيضاً سوف «ينضجون» ويصبحون أكثر ليونة في تقبل التدخل الأجنبي، لا الجوي فقط، بل البحري أيضاً تمهيداً لإنزالات برية. كل شيء قد يحصل خطوة بخطوة بناءً على ما تمليه الظروف. فعامل الوقت ليس في مصلحة أي من الليبيين من هذا الطرف أو ذاك.
وهو بالقطع في مصلحة الحلفاء. هذا ما حدث ذات يوم في شبه جزيرة البلقان في منتصف التسعينيات من القرن الماضي. تريّث حلف شمالي الأطلسي في التدخل في البوسنة حتى فرغ الصربيون وغيرهم من تنفيذ مآربهم ومجازرهم تحت أنظار طائرات الأواكس والجنود الأوروبيين. وبعد التدخل بفرض الحظر أولاً، ثم القصف العشوائي ثانياً، حققوا أهدافهم بتحويل تلك المنطقة إلى ساحة جديدة توسعوا منها شرقاً حتى البحر الأسود، دون أن ينسوا تأمين استقلال كوسوفو.
كانت روسيا آنذاك في أضعف أزمانها، خارجة من غرفة الجراحة السوفياتية. لم تستطع أن تغيّر شيئاً سوى بلسانها أو بقلبها.
وكانت الصين آنذاك تسير في ظل روسيا في كل خطواتها، وهي آخذة في بناء اقتصادها والتوسع في كل الاتجاهات. تلقت ضربة مؤلمة في سفارتها في بلغراد، وحصلت على اعتذار أميركي، ومضى كل إلى غايته. ولم تكن الولايات المتحدة وحليفها الاتحاد الأوروبي في حاجة إلى قرارات من مجلس الأمن الدولي أو من أي منظمة إقليمية أخرى لإنهاء مشاريعها في المنطقة.
لكن الأمور تغيرت كثيراً منذ ذلك الزمن. روسيا اليوم شريك كامل في القرارات الدولية. أبدت موسكو معارضة لأي تدخل عسكري أجنبي في ليبيا. كذلك الصين لا تكتفي بتفضيل عدم التدخل الأجنبي، بل فاجأت العالم بإرسال حاملة طائرات دشنتها منذ وقت قصير إلى سواحل ليبيا.
كانت الحاملة تطارد القراصنة قرب خليج عدن عند باب المندب في جنوب البحر الأحمر، وتحمي سفن التجارة الصينية المتجهة إلى الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا.
الصينيون لديهم مشاريع كثيرة وامتيازات في ليبيا والعديد من الدول الأفريقية، ولديهم أيضاً عشرات آلاف الموظفين والعمال الذين ينفذون مشاريع في ليبيا، ويتعرضون للمضايقة عند محاولتهم النزوح في اتجاه تونس أو مصر. فالأوضاع في ليبيا لم تعد تضمن سلامة أحد. وربما تود الصين ضمان رحيلهم بسلام قبل تفاقم الأوضاع.
لكن المرجّح أنها تريد أن تقول للأوروبيين والروس والأميركيين، إنهم إذا فكروا في مرحلة ما بعد توقف النزاع المسلح في صيغة ما لمنطقة شمال أفريقيا، فلا بد من مراعاة المصالح الصينية أيضاً، ولن تكون سفارتهم في طرابلس هدفاً لصواريخ كروز أميركية طائشة. فالصين لها أسهم في ليبيا وفي اللعبة الدولية، وخاصة في زمن الوهن الاقتصادي الغربي.
أما بالنسبة إلى الليبيين، فإن درب أحفاد عمر المختار يبقى طويلاً. الذئاب الجائعة تتربّص بالجرحى الضعفاء الذين يتخلّفون عن القافلة. ومن يسقط في الصحراء لا ترحمه الطبيعة ولا كائناتها.