في عقل ولغة الحكّام العرب الذين يحبّون أن يسمّوا «المعتدلين»، ممَّن سقط حكمهم أو لم يسقط بعد، الكثير من الرموز المشفَّرة التي تترجم سياساتهم منذ عام 2003 على الأقل. النماذج عديدة: تعبير «الاحتلال الأميركي للعراق» الذي نطق به الملك السعودي في القمة الـ19 للجامعة العربية في الرياض عام 2007، لم يكن يقصد به سوى وصف لفتح الباب أمام الغزو الإيراني لبلاد الرافدين والمنطقة برمّتها. الرفض المطلق لنظام حسني مبارك في مصر إزاء أي مشروع ضربة عسكرية (أميركية أو إسرائيلية) لإيران، لم يكن يعني سوى رفض «عودة الروح» إلى شيعة المنطقة العربية، والخليج خصوصاً، والبحرين والكويت والسعودية تحديداً، بعدما باتت هذه الروح هي الأقوى في دول «سقطت بأيدي صفويي طهران وأتباعهم»، كلبنان مثلاً، وفق المنطق السياسي المصري الذي انهار طبعاً.


وفي غضون ذلك، في 2004 على وجه التحديد، جاءت درّة الدرر من قبل الملك الأردني عبد الله عن «الهلال الشيعي» الذي «تسعى إيران من خلاله إلى السيطرة على العراق وسوريا ولبنان، ما قد يؤثر على استقرار دول الخليج التي تقطنها أقليات شيعية». حتى إنّ عبارة شيعي أصبحت بمثابة شتيمة عند هؤلاء، وذات مغزى سياسي يحيل تلقائياً على إيران. فإذا أراد هؤلاء الحكام العرب تبرير عدائهم لحركة «حماس» مثلاً، سهل عليهم نعتها بـ«الشيعية»، وهي الحركة الإسلامية المعروف أنها إحدى ورثة جماعة حسن البنّا الإسلامية، السنيّة «للغاية». حتى الشقيق شبه التوأم لـ«حماس»، أي جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، وضعها مبارك ومساعدوه مراراً في خانة التابعين لإيران (الشيعية).
ويمكن القول إنّ الرواية العربية المعتدلة عن «بعبع» استفاقة شيعة منطقة الخليج العربي، ومشروعهم لتغيير جغرافية المنطقة وهويتها وتاريخها ومستقبلها، وُلدت في رؤوس حكام الرياض والقاهرة وكل دول الخليج من لحظة مركزية: احتلال العراق في 2003. فبقدر عداء معظم حكام هذه الدول لنظام صدام حسين، كان الخوف كبيراً من الارتدادات المحتملة لتحرُّر شيعة العراق على إخوانهم في البحرين والكويت والسعودية حتى. ولمّا كان نظام مبارك في مصر مثلاً يُدرك أنّ استمراره بالحكم وبموقع الوكيل الأميركي القوي في المنطقة يعتمد على استقرار الدول الخليجية (إضافة إلى اليمن والسودان طبعاً)، فإنّ اقتناعه كان كبيراً بأنّه لا ينبغي إزاحة صدام حسين واحتلال العراق، لأن ذلك «سيكون من مصلحة إيران التي تحلم بالسيطرة على المنطقة بأكملها، من خلال تحويل دولها من سنيّة إلى شيعية». وعندما لم يقتنع جورج بوش الابن بنصيحة مبارك واحتلّ عاصمة الرشيد، انتقل الخطاب المصري إزاء العراق إلى لاءات ثلاث: لا للتعاون الكامل مع حكومات نوري المالكي، «الذي يطبّق أجندة إيرانية شيعية بالكامل». لا لمغادرة القوات الأميركية العراق للحؤول دون السيطرة المباشرة والنهائية على العراق، ومنه على المنطقة المحيطة في الخليج. وأخيراً لا لافتعال أي أزمة تشدّ العصب الشيعي في المنطقة، وهو ما قد يستثير المنتمين إلى هذه الطائفة في المنطقة (الرفض المتكرر لحظر فضائية المنار من على قمر نايل سات، ورفض ضرب إيران عسكرياً من النماذج على ذلك). ولم يرغب مبارك في إبقاء سرّه في كرهه الشديد للشيعة، كمواطنين حتى، وذلك خلال مقابلة شهيرة له على فضائية «العربية» السعودية عام 2006، قال فيها إنّ «الشيعة في كل دول المنطقة يمثّلون نسبة مهمة، وغالباً ما يكون ولاؤهم لإيران لا للبلدان التي يعيشون فيها». وفي اجتماعات عديدة لمبارك مع مسؤولين أميركيين في سنوات ما بعد سقوط بغداد، لم يتردّد الرئيس المخلوع في الإعراب عن مخاوفه من «ازدياد قوة الشيعة في العراق والبحرين والسعودية والكويت».
الحقد الشخصي الممزوج بالعامل السياسي تُرجم في العلاقات الخارجية المصرية والسعودية والأردنية بمحاربة علنية لإيران، انطلاقاً من أسباب عديدة، أهمها، وفق الاعترافات التي جاءت على ألسنة المسؤولين العرب لزوارهم الأميركيين، الخوف من المدّ الشيعي الذي بدأ من احتلال العراق وامتدّ إلى دول «الهلال الشيعي»، ليحطّ في الخليج العربي. في هذه التصريحات النارية وما تبعها من ترجمة سياسية، وضعت مصر نفسها في موقع رأس حربة مواجهة «المد الشيعي»، رغم أنّها لا «تعاني» من أزمة وجود مجموعة شيعيّة مصريّة (أعداد المصريين الشيعة ضئيلة لدرجة أنها لا تُذكَر حتى). رأس حربة بالنيابة عن دول الخليج التي ذكرها مبارك وفيها أقليات (أو غالبية) شيعية، ربما لكون مصر لا تضم مجموعة شيعية كبيرة، فإنّها لن تعاني من شبح توتر مذهبي داخلي إذا كانت مواقف النظام من الشيعة بهذه القساوة، لا بل العدائية. بينما لو كان صاحب الكلام الملك السعودي مثلاً، لسبّب الأمر أزمة داخلية كبيرة مع المواطنين الشيعة في المنطقة الشرقية. ونظراً إلى الوزن السياسي الذي تمثّله القاهرة، كان صراخها ضدّ النفوذ الإيراني في المنطقة واستفاقة شيعة الدول العربية مسموعاً جداً. أما الدول الخليجية الهامشية (سياسياً) التي لا تضم مواطنين شيعة بنسب كبيرة، كالإمارات مثلاً، فبقيت ترجمتها لمخاوفها من الشيعة تأخذ طابعاً انتقامياً أكثر منه سياسياً، مثلما حصل خلال أزمة طرد عمال عرب (جزء كبير منهم شيعة) من الإمارات.