القاهرة | لم يُخف كثير من السياسيين والنشطاء فرحتهم الشديدة بقرار وزير الداخلية منصور العيسوي إلغاء جهاز مباحث أمن الدولة، الذراع الأمنية لنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، طوال ثلاثين عاماً. وخرجت على الفور أصوات تطالب بالتحقيق الفوري مع قادة الجهاز السابق ومعرفة حقيقة ما جرى من حرق وإتلاف لوثائق ومستندات داخل الجهاز، كان من الممكن أن تكشف فضائح سياسية ظلّت حبيسة أسوار المبنى.

وغرق موقعا «تويتر» و«فايسبوك» في تعليقات المصريين. بعضهم رأى الخطوة إيجابية، فيما طالب آخرون بتوضيح آليات عمل الجهاز الجديد ودوره. هؤلاء رأوا أيضاً أنّ الخطوة غير كافية في ظل وجود قادة الجهاز طلقاء، وهو ما ظهر في أكثر من تعليق طلب التحفظ على القيادات ومعرفة نشاط الجهاز ودوره أثناء الثورة وبعدها.
لم يعلن بيان وزارة الداخلية المقتضب مصير ضباط جهاز أمن الدولة المتورطين في عمليات تعذيب وانتهاك حقوق الإنسان. كلّ ما عرفه الناس هو أن جهازاً ألغي وآخر أنشئ. لكن ربما يكشف باقي البيان الذي أعلنته الداخلية عن ماهية الجهاز الجديد، إذ قرر العيسوي إنشاء قطاع جديد بالوزارة حمل اسم قطاع الأمن الوطني، يختص بالحفاظ على الأمن الوطني والتعاون مع أجهزة الدولة المعنية «لحماية سلامة الجبهة الداخلية ومكافحة الإرهاب، وفقاً لأحكام الدستور والقانون ومبادئ حقوق الإنسان وحريته». ويضيف «سيصار إلى اختيار ضباط القطاع الجديد وتسكينهم خلال الأيام القليلة المقبلة ليؤدي ذلك الجهاز دوره في خدمة الوطن من دون تدخل في حياة المواطنين أو ممارستهم لحقوقهم السياسية».
الثورة لا ترضى بأنصاف الحلول. وقرار إلغاء جهاز أمن الدولة يستدعي توضيح كيف ساهم هذا الجهاز بمساعدة مبارك ونظامه على قمع المصريين وقهرهم. وفور إعلان الخبر، استذكر البعض وثيقة عثر عليها عقب اقتحام مقار أمن الدولة في المحافظات تقول: «في خضم الأحداث المتصاعدة والأصوات المرتفعة ذات التوجهات الخاصة المطالبة بحلّ جهاز أمن الدولة من دون اعتبار لمقتضيات المصلحة القومية والأمن القومى المصري، هناك رؤية يمكن طرحها لاستيعاب المطالب المطروحة... وتتبلور هذه الرؤية في: أولاً، إعلان حلّ جهاز أمن الدولة صورياً أو إعلامياً... ثانياً، تغيير اسم الجهاز إلى جهاز الأمن الداخلي، جهاز المعلومات الوطنية، جهاز الأمن الوطني...إلخ». انتشرت الوثيقة على «الفايسبوك» و«تويتر» بهدف التحذير من الخطوة والمطالبة بضمانات حقيقية تمنع عودة الجهاز وأنشطته من جديد، حتى لو كانت هذه العودة تحت غطاء يسمّى «جهاز الأمن الوطني».
وبغضّ النظر عن صحة هذه الوثيقة من عدمها، تكثر التساؤلات حول صيغة المحاسبة المطروحة لقادة جهاز أمن الدولة وضباطه، والضمانات التي تحول دون تحوّل الجهاز الجديد الى جهاز تعذيب كسالفه. من هنا تأتي أهمية الدعوة التي أطلقتها الحركة المصرية للعدالة الانتقالية مؤخراً، والتى ترسم طريقاً آمناً للعبور من الاستبداد الى الديموقراطية، من خلال محاسبة المتورطين فى أعمال التعذيب، والإصلاح المؤسساتي... إلخ.