غزة | استجاب آلاف الفلسطينيين في قطاع غزّة أمس لدعوة الحراك الشعبي إلى إنهاء الانقسام، فنزلوا إلى الشوارع في تظاهرات عارمة رفعوا خلالها الأعلام الفلسطينية، وطغى عليها هتاف واحد: «الشعب يريد إنهاء الانقسام». واكتظّت شوارع مدينة غزّة، كبرى مدن القطاع، منذ ساعات الصباح بمئات آلاف المتظاهرين، بينهم أطفال ونساء، تمركزوا في شارع عمر المختار الرئيسي وسط المدينة.

لكن «يوم الشعب»، الذي أعدّ له شبان فلسطينيون على مدار أسابيع عبر صفحات أسسوها على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» ليكون يوماً تتجسّد فيه الوحدة الوطنية، تحوّل إلى يوم آخر من أيام الانقسام «المقيت».
المتظاهرون انقسموا على أنفسهم؛ ففيما احتشد عناصر حركة «حماس» ومؤيدوها في ساحة الجندي المجهول مقابل المجلس التشريعي في مدينة غزة، انسحب نشطاء الحراك الشعبي لإنهاء الانقسام من المكان، واحتشدوا في ساحة الكتيبة غرب المدينة.
وفوجئ قادة الحراك الشعبي والمتظاهرون المناوئون للانقسام بوجود حشود من أنصار «حماس» وأعضائها في وقت مبكر في ساحة الجندي المجهول، يرفعون رايات الحركة الخضراء، ويردّدون هتافات حزبية بدا معها شعار «الشعب يريد إنهاء الانقسام» خافتاً.
وقال عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي، محمود الزق، إن رفع «حماس» لراياتها وشعاراتها الحزبية هو «محاولة بائسة لإجهاض هذا التحرك الوطني، ولن تفلح»، فيما أشار نشطاء في الحراك الشعبي إلى إن أنصار «حماس» سيطروا على ساحة الجندي المجهول سعياً منهم إلى «خطف» المشهد من التظاهرات الشعبية المنادية بإنهاء الانقسام. وبدا أن المتظاهرين أصيبوا لبضع ساعات بحال من التخبط وانعدام الرؤية، قبل أن يستقرّ بهم الأمر بالانفصال تماماً عن تظاهرات «حماس»، بعدما عجزوا عن فرض علم فلسطين وشعار «الشعب يريد إنهاء الانقسام» شعاراً وحيداً للتظاهرات.
وبينما كان عناصر «حماس» يهتفون «الشعب يريد إنهاء أوسلو»، ويلوّحون برايات الحركة الخضراء، ردّ عليهم شباب الحراك الشعبي بهتافات «علم فلسطين وبس (فقط)»، و«مش حنروح، مش حنّام... لازم ننهي الانقسام». ومن بين مئات الأعلام الفلسطينية والرايات الخضراء، ظهرت رايات صفراء لحركة «فتح» في مشهد غير مألوف في شوارع غزّة. فلم يكن من نشطاء «حماس» إلا أن اعتدوا على حاملي هذه الرايات، ومزقوها بالقوة، فيما تقمّص شاب شخصية الرئيس الراحل ياسر عرفات، مرتدياً بزّة عسكرية ومعتمراً الكوفية التي ميّزته طوال حياته، فأثار المشهد حماسة المتظاهرين، الذين رفعوه على الأكتاف.
ولم ينجُ الشباب من الاعتداءات، وقال متظاهرون في ساحة الكتيبة إن عناصر من أجهزة الأمن يرتدون زياً مدنياً اعتدوا على المتظاهرين بواسطة هراوات وعصي كهربائية، لإجبارهم على إخلاء الساحة. فردّ متظاهرون برشق عناصر الأمن ونشطاء من «حماس» بالحجارة. وأشارت مصادر حقوقية إلى أن عشرة متظاهرين على الأقل أصيبوا بجروح جراء الرشق بالحجارة. إلّا أن اللجنة العليا للإسعاف والطوارئ في غزة قالت إن ثلاثة مواطنين أصيبوا بحالات إغماء، فيما أصيب رابع جراء التدافع.
ورفض أسعد الصفطاوي، أحد قادة الحراك الشعبي «سعي بعض الفصائل إلى تسييس التظاهرات ورفع راياتها الحزبية»، في إشارة إلى حركة «حماس».
وكانت الفصائل الرئيسية في غزة قد اتفقت في اجتماع شاركت فيه «فتح» و«حماس» مساء أول من أمس، على التوحد تحت شعار «الشعب يريد إنهاء الانقسام» وعلم فلسطين، من دون أن يجد هذا الاتفاق طريقه إلى التنفيذ. وقالت مصادر مطلعة إن الاجتماع كان «متوتراً»، وشهد خلافاً حادّاً بين «حماس» والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إذ اتهمت الحركة الإسلامية الجبهة بالوقوف خلف بعض المجموعات الشبابية المنضوية في إطار الحراك الشعبي ودعوتها أنصارها إلى التظاهر ضد الانقسام في القطاع فقط من دون الضفة، فيما ردّت الجبهة باتهام «حماس» بالتعامل معها ومع باقي الفصائل بـ«عقلية أمنية»، استناداً إلى تقارير أمنية غير حقيقية.
وعلمت «الأخبار» أن الفصائل رفضت مقترحاً لـ«حماس» بإنهاء التظاهرات عند الساعة الثانية ظهراً، ومُدّدت إلى الساعة الخامسة مساءً، الأمر الذي رفضه نشطاء الحراك الذين أصرّوا على عدم مغادرة الشوارع للضغط من أجل إنهاء الانقسام. وفي كلمة أمام متظاهري «حماس» في ساحة الجندي المجهول، قال القيادي في الحركة صلاح البردويل إن «حماس مستعدّة للتجاوب مع مطالب الشباب، وإطلاق الحوار الشامل للوصول إلى تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام فوراً، وصوغ المرجعية القيادية والبرنامج السياسي الوطني».
من جهة ثانية، دعا رئيس حكومة «حماس» إسماعيل هنية، الرئيس محمود عباس وحركة «فتح» إلى «اجتماع فوري هنا في قطاع غزة أو في أي مكان يُتفق عليه، ونشرع في حوار مباشر وحوار وطني شامل ونبحث الملفات وما هي المعوقات أمام تحقيق المصالحة، ونترجم نداءات الجماهير». وحمّل نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك، من دون أن يذكره صراحة، المسؤولية عن استمرار الانقسام الفلسطيني.