حكومة معلقة محلياً، وثورات مشتعلة في شمال أفريقيا حجبت الرؤية عمّا يجري في الطرف الغربي من القارة السمراء، في ساحل العاج تحديداً، حيث انفجرت أزمة رئاسية منذ كانون الأول الماضي، يعاني جزء من الجالية اللبنانية في خضمّها حالة إهمال خطيرة.

«البلد يختنق»، بهذه العبارة لخّص لـ«الأخبار» السفير اللبناني في ساحل العاج علي عجمي، وضع بلاد الكاكاو، فاختنقت معه أوضاع نحو 100 ألف لبناني، يكوّنون إحدى أكبر الجاليات في هذا البلد المحوري بالنسبة إلى الاغتراب اللبناني، وأصبحوا اليوم يبحثون بالسراج والفتيلة عن ثمن بطاقة سفر.
إهمال الحدث العاجي ينسحب على جميع الصعد لبنانياً، فأبناء الجالية هناك لم يوفّروا أحداً من عتبهم، من إدارات الدولة إلى مختلف وسائل الإعلام، فيما وجدوا في «شريك الثوار»، الـ«فايسبوك»، تعويضاً لهم عن الإهمال الإعلامي، لكي ينقلوا للعالم الخارجي بعض وجوه معاناتهم اليومية، المتمثلة بتوقف أعمالهم، وتحوّل بعضهم إلى عاطل من العمل كلياً، وهذه حال آلاف العمال والموظفين الذين يعتمدون على رواتبهم لإعالة عائلاتهم.
كذلك أسهم إقفال المصارف، وفقدان السيولة من السوق، إضافة إلى امتناع شركات الطيران عن قبول الشيكات، في تفاقم أزمة الرحيل عن هذا البلد، أو على الأقل ترحيل العائلات. إلّا أن السفير عجمي أوضح أن الأمور لم تصل إلى حد طلب إجلاء الرعايا اللبنانيين، بدليل استمرار المدارس اللبنانية والفرنسية في استقبال الطلاب حتى اليوم، رغم الشلل الاقتصادي الآخذ في التمدد. ولفت إلى أن الفوضى السياسية في البلاد هي التي تفرض هذا الغموض حول قرار اللبنانيين بالرحيل أو البقاء، معلناً أنّ نحو ألفي لبناني تقريباً غادروا ساحل العاج منذ بداية الأزمة.
ونفى عجمي كل ما أُشيع عن لسانه بشأن الطلب من اللبنانيين مغادرة البلاد، إلا أنه أكّد ما سبق أن طلبه منهم في بيان رسمي، ويتلخص في ضرورة عدم التجوّل ليلاً، بسبب الحواجز الطيارة المفاجئة التي تنتشر على الطرقات، وما وصفه بالحوادث الفردية، من سرقات واعتداءات وتكسير زجاج السيارات، وهي أعمال ترتفع وتيرتها في مثل هذه الظروف.
ورفض السفير اتهام أيّ جهة أو شخص بمقتل الشاب علي فواز منذ أيام، لافتاً إلى أنّه «لا متهم بالجريمة حتى الساعة والتحقيقات جارية بين بيروت وأبيدجان، لكشف الملابسات». كذلك أشار إلى تعرّض المواطن عبد اللطيف مروّة لإصابة بإطلاق نار من مسلحين دخلوا منزله وسرقوه.
لكن في مقابل إشارة علي عجمي، إلا أنه لا داعي لإعلان الإجلاء، هناك أناس مرعوبون ونساء وأطفال في عائلات يرغب أربابها بإرسالهم إلى مسقط رأسهم، لكن ليس بديهم حيلة.
فالمشكلة الأكبر تبقى في توفير ثمن بطاقة السفر، نتيجة عسر مادي بسبب توقف الأعمال، وكذلك فقدان السيولة بين أيدي المقتدرين بسبب إقفال المصارف منذ أكثر من أسبوعين. وتضاربت المعلومات عن ارتفاع سعر البطاقة، فيما أشار السفير عجمي إلى خفض خطوط طيران الشرق الأوسط سعر تذكرة العودة بنسبة 25 في المئة، نفى عدد من أبناء الجالية تحقّق هذا الأمر.
ففي اتصال أجرته سيّدة لبنانيّة تعيش في البلد الأفريقي مع «الأخبار»، قالت إنّ مكاتب السفر تستغلّ الأوضاع لرفع الأسعار من دون أي حسيب أو رقيب. وأوضحت أن سعر التذكرة أضحى 700 ألف فرنك، أي ما يوازي 1300 دولار، وهو الرقم الذي اكتشفته لدى السؤال عن الأسعار منذ يومين.
وأكّد المغترب عباس عجمي هذا الأمر في اتصال مع «الأخبار»، واستغرب الإهمال اللبناني على الصعيد الرسمي لما يحدث في ساحل العاج. وقال إنّ بلداناً أخرى لها جاليات كبيرة في البلد الأفريقي، مثل المغرب وموريتانيا، أرسلت طائرات خاصّة لإجلاء رعاياها بأسعار رمزيّة، لكي يتمكّن مواطنو تلك البلدان من الهروب من وضع يبدو أنّه يزداد سوءاً مع انسداد أفق حلّ الأزمة السياسيّة.
وفي اتصالات لـ«الأخبار»، أشار البعض إلى توجّه كثير من المغتربين غير المقتدرين للعيش في المجمّعات الدينيّة لعدم تمكّنهم من تسديد إيجارات منازلهم وتوقّف الأعمال. غير أنّ إمام الجالية الشيخ عبد المنعم قبيسي، وجد مبالغة في بعض ما يُقال «لأنه لا أحد يستطيع استغلال حاجة الناس في هذه الظروف». وكذلك دعا شركات الطيران لعدم التساهل في هذا الموضوع. ولفت قبيسي إلى أن شركة «MEA»، قدمت بعض التسهيلات غير المعلنة، لناحية تمديد صلاحية البطاقات. ونفى ما أشيع عن لجوء بعض العائلات إلى المراكز الدينية هرباً من أعمال العنف، أو بسبب عدم قدرتهم على دفع الإيجارت، مسجلاً بعض حالات النزوح إلى منازل أكثر أمناً في بعض المناطق التي شهدت أعمال نهب وسلب.
في المقابل، رفعت شعارات تعبّر عن واقع الحال على صفحات التواصل الاجتماعي تؤكد أن «الشعب يريد خفض التسعيرة»، في إشارة إلى عدم تمكن كثيرين من تحمل أعباء إرسال عائلاتهم إلى لبنان. ووجه بعض الناشطين على الـ«فايسبوك» «نداءً إنسانياً عاجلاً» للرؤساء والقادة اللبنانيين «للتوسط لدى MEA لخفض سعر تذكرة السفر إلى بيروت».
لكن عدم تمكّن المغتربين المتوسّطي الحال من إرسال عائلاتهم (مع العلم بأن هناك فوارق اجتماعيّة هائلة بين اللبنانيّين المهاجرين إلى ساحل العاج) يعني ضرورة تحرّك مباشر من جانب السلطات المحلّية، ليس بالضرورة لـ«الإجلاء»، بل إعادة المحتاجين بأسعار مخفوضة كما تفعل البلدان أخرى، لأنّ الأوضاع تُنبئ بأنّ وقت الإجلاء الكبير قد يحلّ قريباً.
وفجراً وصلت طائرة إلى بيروت وعلى متنها عدد من المغتربين اللبنانيين.