كان مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، جيفري فيلتمان، يستعد للنزول من الطائرة التي أعادته من قطر إلى البحرين. قبل أن تطأ قدماه السلّم المتحرّك، زيّن جلده بالقليل من الصوف الأبيض، ووضع ما تيسّر من مساحيق التبرّج لإخفاء معالمه الحقيقية، فتحوّل من جيفري إلى جيف. على أرض المطار في المنامة بدا كأنه شاة بريئة ومحبة، كل همّها الإحساس بالدفء والأمان.


بهذه الهيئة الجديدة، راح فيلتمان يتنقلّ بين الشخصيات البحرينية، الموالية والمعارضة، معلناً رفضه منطق العنف، ومؤكداً نبذ الاقتتال الداخلي، وداعياً «البحرينيين إلى اغتنام فرصة التحاور». قبل أيام، بينما كان جيف يدعو إلى ضرورة تغليب لغة الحوار بين البحرينيين، لم تمنع الحكومة الأميركية دخول الجيش السعودي إلى المنامة تحت اسم «درع الجزيرة»، رغم تأكيد الخارجية في واشنطن رفض هذه الخطوة. ليس هذا اختلافاً بين أداء جيف وموقف حكومته، بل هو منطق تعامل فيلتمان في بلدان الأزمات، وخطأه الدائم في التوقيت.
فهذا الرجل، الذي باتت موكَلة إليه إدارة الصراعات في الشرق الأوسط، يفهم تماماً طبيعة عمله والأدوات التي يجب استخدامها. لكن من خلال تجاربه السابقة، يسهل القول إنّ جيف لم يتعلّم بعد كيفية ضبط ساعته على إيقاع السياسة في المنطقة، إضافة إلى أنه لا يزال يجهل الكثير من الأمور الخاصة بالمجتمعات العربية. فتجربة هذا الرجل في عوكر تؤكد أنه لا يزال يغفل الكثير من الأمور، وأنه يقع كغيره من ممثلي الغرب، في خطأ تصديق كل حرف ينطق به حلفاؤه في المجالس الضيّقة، ويطبّق سياسة بلاده وفق الخرائط السياسية التي يفترضها ضيوفه في السفارات الأميركية.
بين 2004 و2008، تمحورت مهمة جيف، «كسر حزب الله»، حول أسلوبين: الأول، منح خصوم الحزب كامل الدعم لمواجهته في الشارع والمؤسسات وبين الناس. الثاني، محاربة الحزب من خلال التضييق على حلفائه والضغط عليهم.
انطلاقاً من منطق دعم أعداء عدوّنا، أعدّ فيلتمان والموظفون في عوكر جداول مالية شهرية توزَّع على وزراء ونواب وجمعيات المجتمع المدني اللبناني، معتقداً أن هذا النشاط المالي يحرّك الشارع في وجه حزب الله. عام 2004، راقب جيداً القرار 1559، وهو يصدر عن مجلس الأمن الدولي. وزّعه على خصوم حزب الله، وكاد يشارك في تظاهرة 14 آذار 2005 للمطالبة بخروج الجيش السوري، لما يمكن أن تُسهم هذه الخطوة في عزل الحزب وإضعافه. مرّت الأشهر وكان خصمه لا يزال صامداً.
قرر جيف ألّا يسمح بدخول الفشل إلى مسيرته، ومع إدراكه صعوبة كسر الحزب، قرر استبدال هذا العنوان بآخر أخف وطأة منه: «ضرب صورة حزب الله بين الشباب اللبناني». أنفق جيف بين أعوام 2006 و2008 ما يزيد على 500 مليون دولار من خزينة بلاده، لعلّ نجاح العنوان الجديد يكون مقدّمة للانتصار الكبير بفرط الحزب. لكنه فشل مرة جديدة.
في تموز 2006، توقف الزمن في مكاتب السفارة الأميركية. مع انطلاق العدوان الإسرائيلي على لبنان، قفز جيف من الفرح، ظناً منه أن نجاحه سيتحقق لا محال، باعتبار أن حزب الله سينكسر بفعل الضربات العسكرية المستمرة في كل المناطق اللبنانية. استخدم في مجالسه عبارات الضباط الإسرائيليين، وأهمها «انهيار منظومة حزب الله»، وراح يبشّر حلفاءه وزواره على مختلف انتماءاتهم السياسية بأنه انتصر. كانت البرقيات «المشفّرة» تتسارع من عوكر إلى واشنطن، متحدثة عن ارتفاع معنويات الحلفاء وقلق الخصوم.
ترك جيف بيروت في كانون الأول 2008، بعدما كانت المعارضة اللبنانية قد أعادت ترتيب بيتها الداخلي ووضعت حلفاء عوكر في 14 آذار في مأزق الحكم. قبل رحيله بأسابيع، كان فيلتمان يؤكد للفريق الحاكم ضرورة استمرار المعركة، وأنّ الدعم الأميركي مطلق للقضاء على حزب الله. هذه الأفكار التي بثّها فيلتمان لزواره في عوكر دفعت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة إلى اتخاذ الكثير من القرارات الخاطئة، التي بلغت ذروتها فجر 5 أيار 2008. يومها، كان جيف يستريح في واشنطن بعدما سلّم خليفته، ميشيل سيسون، مفاتيح السفارة. في تلك الفترة، كانت سيسون لا تزال تتعرّف إلى خريطة الصراع وطبيعته في لبنان، وكانت تتقيّد بتعليمات واشنطن، فحملت وزر توصيات فيلتمان بإرسال البوارج الأميركية على مقربة من السواحل اللبنانية، في إشارة دعم لقوى 14 آذار ودفعها إلى فتح المعركة مع الحزب. حصل ما حصل في أيار 2008، وانهار مشروع فيلتمان من جديد نتيجة ستاتيكو غير قابل للتعديل.
تجربة فيلتمان في بيروت لم تنته عند هذا الحد، فترقية السفير السابق إلى رتبته الحالية زادته قوّة وثقة بالنفس، وتبدّل عنوان مشروعه في مواجهة حزب الله مرّة جديدة وأصبح «تمزيق حزب الله». لم يتردد فيلتمان في إعلان هذا العنوان الجديد في الأشهر الأخيرة من العام الماضي، قائلاً لوكيلته الجديدة في بيروت، مورا كونيلي: «لقد حاصرتُ هؤلاء السفلة. شاهدينا فيما نحن نمزق حزب الله بألف ضربة بطيئة». تمسّك جيف هذه المرة بالقرار الدولي 1757، أي المحكمة الدولية، لعلّها تحقق له نجاحاً يساعده في تسجيل انتصار أول في مهمّته الجديدة: ضرب حلفاء إيران أينما كانوا.
انتبه للتوقيت والخريطة السياسية يا جيف.