صنعاء | استقبل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أخيراً مجموعة من اليمنيين أُعلن أنها تابعة لقبائل تقيم في المنطقة الجنوبية الغربية من صنعاء، وألقى على مسامع أفرادها محاضرة رئاسية ذكّرهم فيها بما فعله من أجلهم طوال فترة حكمه من مشاريع و«منجزات»، مؤكداً أنهم سوف يكونون عند مستوى المسؤولية عندما يحين وقت الحاجة إليهم.

لا يزال الرئيس صالح هنا مستمراً في ممارسة هوايته المفضّلة؛ فتح خزائن الدولة والتلويح بما فيها لكسب الرضى عن حكمه، في تأكيد إضافي منه على أنه مصرّ على التعامل بأسلوب زعماء العصابات وليس بصفته رئيس دولة حقيقياً. لم يستوعب أن الصورة تغيّرت تماماً، وأنه لم يعد بإمكانه استقبال رسالة من قبائل عمران مثلاً تخبره فيها «بأن أي هجوم جديد على الشباب المعتصمين في ساحة التغيير أمام جامعة صنعاء من المطالبين برحيله عن الحكم، سيكون اعتداءً شخصياً عليهم». كان بإمكانهم التحدث إليه باللغة التي يفهمها جيداً، وكان لهذا أن يدفعه إلى إصدار أوامره بوقف الهجوم قبيل فترة قصيرة من إطلاقه إشارة البدء. لكن يبدو أنهم تغيروا أو أن الوقت قد أتاح لصورتهم الحقيقية أن تظهر متخذين من الموقف السلمي وسيلة لإخراج معدنهم الحقيقي.
وكان هذا الموقف بمثابة برقية تحمل أكثر من رسالة، لكن أهمها ما معناه: «لقد قرر شبابنا الدخول إلى دائرة مدنية حاولت أنت منعنا من دخولها طوال فترة حكمك، ودفعتنا دائماً نحو التناحر في ما بيننا».
وأكثر من هذا، تكاد نبرة توضيحية واحدة أن تسيطر على اللافتات التي يرفعها شباب القبائل داخل ساحة التغيير، تقول: «رجاءً يا أهلنا، لا تحمّلونا أوزار النظام». وفي بيان لـ«قبائل من أجل التغيير»، قال ناطقون باسم قبائل قدِمت من محافظات صنعاء ومأرب والجوف وعمران والبيضاء وذمار للانضمام إلى الشباب في الساحة «من غير العادل تحميل القبيلة أوزار النظام»، مؤكدين تقديم أبنائهم «جنباً إلى جنب، بصدور عارية مع إخوانهم الشباب المحتجين، فكلنا أبناء وطن واحد لنا الجذور نفسها والتطلعات نفسها ونعاني المعاناة نفسها»، وهم من أجل تحقيق نقلة أخرى في حياة اليمني مستعدون لـ«بذل الغالي والرخيص لإزاحة هذا النظام الفاسد».
نقطة أخرى يضيفها انضمام شباب القبائل اليمنية إلى إخوتهم في «ساحة التغيير»، من خلال منح صورة هذه الثورة اكتمالها وتمثيلها لليمن من أقصاه إلى أقصاه. وهكذا سُدّت ثغرة كان يمكن الدخول عبرها، والكلام عن تمثيل «الساحة» لمناطق معيّنة من اليمن أو لفئات اجتماعية بعينها، ما يعطي رفض استمرار صالح في حكم اليمن سمة الرفض الجماعي. وهو مأزق كان ظاهراًَ في سياق الحراك الجنوبي عندما ظهر للسطح كلام منطوق على ألسنة أفراد من المناطق الجنوبية تشكو عزلتها ووقوفها أمام فساد حكم الرئيس صالح وظلمه بمفردها، فيما يقف أهل المناطق الشمالية موقف المتفرج مما يحصل لإخوتهم. مأزق وجد علاجه في هذه الصحوة الشبابية التي نجحت في إعطاء خروجها الاحتجاجي وقوداً إضافياً لما كان من احتجاجات سابقة في الجنوب. كذلك نجحت في توحيد صوتها وشعاراتها لتصبّ باتجاه خلخلة الأرضية التي يقيم فيها الحاكم تاركة شعارات فك الارتباط. وليس من الغريب تنبّه السلطات لهذا الأمر باكراً ليبدو تركيزها وتعمّدها الإفراط في استخدام القوة ضد الاحتجاجات في المناطق الجنوبية وعدن على وجه الخصوص، وذلك من أجل إعطاء هذا التركيز طابعاً مناطقياً. وهو ما حدث لاحقاً مع السلطات ذاتها، عندما وجدت نفسها في مواجهة تدفق قبائلي باتجاه «ساحة التغيير» لم يكن في حسبانها، وهي التي كانت تعتقد أن القبائل قد استقرّت في جيب علي عبد الله صالح ولا يمكنها أن تخرج عن إمرته، فعمدت إلى التركيز في توجيه عنفها باتجاه أفراد القبائل دون الشباب الموجودين في الساحة، لكن هذه الحيلة خابت أيضاً ليزداد التدفق على الساحة.
لكن تبقى هناك هواجس لا بد من ظهورها على السطح، وإن بدت على استحياء مدفوعةً بدعوى أن هذا ليس وقت الهواجس بل وقت العمل معاً من أجل هدف واحد يذهب باتجاه إسقاط النظام. هواجس تخص شباب الاتجاهات اليسارية الموجودين في الساحة، وتتعلق بأسئلة تخص زعماء قبائل أعلنوا انضمامهم لشباب التغيير، وقد عُرفوا إلى وقت قريب بارتباطاتهم الوثيقة بالرئيس صالح من جهة وبأمراء «الشقيقة الكبرى» (السعودية)، ومالها السياسي من جهة أخرى. ومن المعلوم مدى التصاق هذين الطرفين واتحادهما من أجل غاية واحدة، تتمثل في إطفاء شعلة هذه الثورة الشبابية التي جعلت حكم الأول على المحك، وفي مواجهة لحظات مصيرية، فيما تبقى «الشقيقة الكبرى» على قلق لا حدود له، إذ تبدو في وضعية لا تسمح لها باستقبال هزّات جديدة، وتصبّ كلها في تأكيد أن ساعة الإصلاح والتغيير قد حانت. ومع احترام كل هذه المخاوف المشروعة يبقى الوقت وحده كفيلاً بإظهار صدق نيات أولئك المشايخ النازلين من عربة الرئيس صالح، ومن قطار المملكة لينضمّوا إلى مركب شباب التغيير.
في مقابل الأصوات المتشكّكة، أصوات يسارية شابة أخرى قالت يكفي «ثورتنا» أنها نجحت في سحب هؤلاء المشايخ إلى ساحة المدنيّة حتى لو لم تكن نياتهم صادقة، فلربما وجدوا في الساحة ما يدفعهم إلى تغيير ما في قلوبهم. ويبقى هذا للوقت بما هو مختبر وآلة فرز ستوضح كل شيء. لكن المهم أن ورقة القبيلة والحرب الأهلية التي طالما هدّد بها الرئيس صالح اليمنيين تبدو الآن ورقة خاسرة إلى حد كبير. لكن مع هذا تبقى التحديات كبيرة والطريق لا يزال في أوّله، فالتركة التي سيخلفها صالح ليست خفيفة يمكن التخلص منها بسهولة. كذلك المؤامرات وأصحابها في كل منعطف وزاوية يفعلون كل ما بوسعهم من أجل إحباط هذه الثورة الشابة. كل هذا متوقع ووارد، لكن الأكيد أن اليمن لن يعود كما كان.