وسط الأحداث المتسارعة والمتنقلة بين الدول العربية، تبدو روسيا أشبه بالمتعدي على المشهد العام. تُطلق مواقف متأخرة تنمّ عن تردّد قد يكون مقصوداً.

ليس مؤكداً إن كانت موسكو قد وضعت خريطة العالم العربي على طاولة البحث، لقراءة السيناريوات الجديدة التي تُقبل عليها المنطقة، أو حركت سفاراتها في المنطقة، لمحاولة الاقتراب من المشاركة في رسم الخريطة الجديدة، والبحث عن طرقات لا تزال غير معبّدة تستطيع من خلالها التسلّل إلى العالم العربي مجدداً.
ومع اشتعال الوضع في البحرين إثر دخول قوات سعودية وخليجية إليها «لتطهيرها من المشاغبين»، والحديث عن احتمال تدخل إيراني لنجدة «الشيعة»، قد تُسأل روسيا عن موقف أكثر وضوحاً وحزماً. صحيح أن موسكو أعلنت في ممارستها السياسية الجديدة قطيعتها مع «نوستالجيا الماضي»، لكن تبقى المصالح أساساً لتحرّكها بين ثنايا العالم، ولا شكّ أن الوصول إلى المياه الدافئة يبقى ضمن أهداف الاتحاد الروسي حيال المنطقة، وتحديداً الخليج العربي.
التفاعُل الروسي البطيء ليس سبباً للاستغراب، بقدر ما هو ترجمةٌ لخشية روسيا من وصول الثورات إليها، هي التي تواجه اضطرابات مستمرة في القوقاز. يضاف إلى ذلك اعترافها بأن المنطقة ليست ضمن أولويات الاتحاد الروسي، الذي يصب تركيزه حالياً على مناطق نفوذ الاتحاد السوفياتي السابق. هذا ما تؤكده بعض النخب الروسية، قائلة: «لا سياسة روسية واضحة في المنطقة. الكرملين لا يملك استراتيجية أو أفكاراً جديدة».
ووسط هذا الضياع، يأتي أيضاً عدم قدرة روسيا على اللعب في المنطقة على غرار الولايات المتحدة.
أسبابٌ قد تبرّر الموقف الروسي حيال الأزمات المتصاعدة، لكن لا بد من الإشارة إلى أن الخفوت السياسي الروسي في المنطقة، الذي يعود إلى ما قبل سقوط الاتحاد السوفياتي واستمر حتى وقت قريب، سعت موسكو إلى الالتفاف عليه والدخول إلى المنطقة مجدداً من باب تجارة السلاح. ولا شكّ أن الصدارة الروسية في هذا المجال كانت سبباً إضافياً لقلق روسيا على مصالحها في المنطقة في هذا المجال. فقد أعلنت موسكو أن قيمة خسائرها في مجال التسلح بلغت 4 مليارات دولار في ليبيا، فيما تحدثت صحيفة «برافدا» الروسية عن وجود قلق لدى الكرملين نظراً إلى أن صادرات الأسلحة الروسية إلى الخارج شملت بلدان المغرب العربي والشرق الأوسط بصورة أساسية.
في هذا السياق، يقول رئيس معهد الشرق الأوسط، يفغيني ساتانوفسكي، للصحيفة: «لا يمكننا الحديث عن أي نوع من العقود الطويلة الأمد في هذه المنطقة. لا أحد قادر على ضمان استقرار الأنظمة الحاكمة في البلدان الممتدة من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي، حتى السعودية».
غموضٌ تزامن مع اشتعال أزمة البحرين. فإن كانت التساؤلات قد أحاطت موقف روسيا البطيء في كل من مصر والجزائر وليبيا، فإن هذه الأسئلة قد تصبح أشد مع الحديث عن احتمال تدخل إيراني في هذه الأزمة، علماً أن الجمهورية الإيرانية تعدّ أحد حلفاء روسيا. وتعليق بيع موسكو صواريخ «أس ـــــ 300» وموافقتها على فرض عقوبات جديدة لا يلغِي هذه المعادلة. فـ «الجارّ» الإيرانيّ هو أشبه ببوابة حديديّة تحمي الحدود الروسية من التمدد الغربي المتمثل بأميركا وحلف شمال الأطلسي. ومع ذلك، فقد سعت روسيا خلال الأعوام القليلة الماضية إلى التقرب من السعودية، والحد من مدّ الأخيرة «الإسلاميين المتطرفين» بالسلاح في منطقة القوقاز.
وقوف روسيا بين حليف مباشر وآخر غير مباشر، قد يدفعها إلى مواصلة سياسة المواقف البطيئة، الهادئة، الداعية إلى الحوار والابتعاد عن العنف، والرافضة للتدخلات الخارجية، إلا إذا كان لتطور الأحداث الكلمة الفصل.
هكذا، فإن الموقف الروسي من ثورات واضطرابات المنطقة، ولا سيما في الخليج، يعطي أصدق صورة عن موقعها الحالي في المنطقة. ويؤكد عدد كبير من الدبلوماسيين الروس أن موسكو عاجزة عن التدخل في الشرق الأوسط، ولم تعد تضع نصب عينيها مقارعة الولايات المتحدة في المنطقة.