ربما كانت جماعة «الإخوان المسلمين» أكثر التيارات الإسلامية التي ستطالها حزمة التغيُّرات العميقة التي أحدثتها الثورة في المشهد الديني ـــــ السياسي المصري. لقد فتحت الثورة لدى «الإخوان» ملفّات أصبحت ضرورة ملحّة، أهمها مسألة العلاقة بين الحزب السياسي الذي تزمع الحركة على إنشائه في الأسابيع المقبلة («الحرية والعدالة»)، وبين الجماعة الإخوانية الأم. إضافة إلى ذلك، سيكون مثيراً معرفة ما إذا كان الإخوان سيستنسخون تجارب عربية وإسلامية، أو تظل للحالة المصرية خصوصياتها عندهم.

إذاً، ستواجه الحركة الإخوانية تحدّي دخول العملية السياسية في مشهد ما بعد الثورة «علناً»، عبر إنشاء حزب سياسي إخواني، وهو ما يطرح عليها أسئلة أهمها إشكالية العلاقة بين الدعوة والسياسة لدى الحركة الإسلامية، وأيّ صيغة هي الأنسب للحركة ومحيطها في عملية الانتقال الديموقراطي.
وقد برزت هذه الإشكالية جليةً في عدد من التجارب السياسية التي خاضتها الحركة الإسلامية في الأردن واليمن والجزائر والمغرب، وأماكن أخرى منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، حيث تميزت بحضور كثيف للدين على مستوى المشاركة، أو من ناحية الخطاب أو الشعارات التي غلب عليها توظيف الرموز والمعاني الدينية.
يمكن البدء بالمقاربة التي ترمي إلى التمييز بين العامل الدعوي والسياسي، الذي تمثله «حركة التوحيد والإصلاح» في المغرب، والتي قد تكون الأفضل والأنسب لأي عملية انتقال ديموقراطي، ولأي حركة تسعى فعلياً إلى الإسهام الجاد في بناء دولة ديموقراطية. وقبل نحو خمس سنوات تقريباً، بدأت تنتشر الاجتهادات النظرية التي كانت تدعو إلى ضرورة التمييز بين الدعوة والسياسة داخل الحركة الإسلامية المغربية، التي دخلت ميدان المنافسة السياسية والحزبية وحققت نجاحاً انتخابياً لافتاً في الانتخابات التشريعية عام 2002. إنجاز عبّر عنه في ما بعد حلولها قوة ثانية في انتخابات عام 2007.
حركة التوحيد والإصلاح تكاد تمثل مشروع الإخوان المسلمين، رغم أنها فضّلت الاستقلالية، ورفضت أن تكون جزءاً من التنظيم العالمي للإخوان. أما الحزب السياسي الذي يمثلها، فهو «العدالة والتنمية» الذي تأسس سنة 1996 بوصفه إطاراً سياسياً لها، قبل أن تعمل على إعادة هيكلته وتتّجه منذ عام 1998 للسعي إلى بلورة تصور واضح في العلاقة بينهما. وقام هذا التصوُّر على أنّ الوظائف الأساسية للحركة هي الدعوة والتربية والتكوين، وأنّ الحزب هو تنظيم سياسي يهتم بتسيير الشأن العام.
تبنّت الحركة خيار التمييز بين النشاط الدعوي والسياسي، وصاغت له استراتيجيا واضحة تضمنتها ورقة «المشاركة السياسية والعلاقة بين الحركة والحزب»، التي أعلنت عام 2006، بعدما خضعت لنقاش طويل داخل الهياكل التنظيمية للحركة منذ 2003، لتعتمدها على رأس جدول أعمال مؤتمر الحركة الذي عقد صيف 2006.
تقوم استراتيجيا التمييز بين الدعوة والسياسة، على فكرة رئيسية هي أن الحركة الإسلامية مكوّن إسلامي ينهض بمهمات إقامة الدين ضمن مكوّنات أخرى موجودة على الساحة المغربية، وأنها لا يمكن أن تقدم نفسها بديلاً للقوى السياسية والاجتماعية الموجودة. ويتفرّع عن ذلك أن الحركة، في جهدها للقيام بدورها في إقامة الدين، تحتاج إلى التمييز بين الوظائف الأساسية التي هي سرّ وجود الحركة، لأنها تتضمّن الدعوة والتربية والتكوين، وبين الوظائف التخصُّصية التي يقع العمل السياسي ضمنها، لكن مع الاشتراك في المرجعية الإسلامية الجامعة.
وتقوم سياسة التمييز على الفصل التام بين الحركة والحزب على مستوى الإدارة (80 في المئة من أعضاء الحزب هم أعضاء في الحركة، لكنهم لا يمثلون سوى نحو 30 في المئة من العضوية العاملة بها، ولكل من الحركة والحزب مؤسسات مستقلة). كذلك الفصل سارٍ على مستوى الوظائف، فالحركة منوطة بوظائف التربية والتكوين، وشروط العضوية والتصعيد فيها ذات طبيعة أخلاقية. في المقابل، تهتم المؤسسات الحزبية المستقلة برسم سياسات الحزب، وبالتوجيه والتكوين السياسي لقواعده، وبناء المواقف في ساحة العمل السياسي، فيكون الالتزام بمرجعية الحزب وأهدافه الشرط الأهم في مسألة العضوية، أسوة بباقي الأحزاب.
وحسمت الحركة موقفها حيال قضايا مهمة لها علاقة بالعامل الإسلامي في الساحة السياسية؛ فعلى مستوى الخطاب، أقرّت بأنّ التحولات في الخطاب السياسي ممكنة في إطار المسلك البراغماتي الذي يميز عالم السياسة. لذلك، منعت وعّاظها ودُعاتها ورموزها الدعويّين من الترشح للانتخابات أو المشاركة في الحملات الانتخابية التي يقودها الحزب، على أساس أن المرجعية الإسلامية الجامعة هي ملك للمغاربة جميعاً، ولا ينبغي إنزالها إلى ساحة المنافسة السياسية.
وتهتم الحركة مثلاً بقضايا الهوية، فيما يتفرغ الحزب لقضايا التدبير واهتمامات الناس اليومية والمباشرة والآنية. ولا تتحوّل قضايا الهوية إلى قضية سياسية تشترك الحركة والحزب في الحشد خلفهما، إلا بقدر وجود إجماع عام من كل التيارات المغربية على رفضها؛ إنه تمييز له إيجابية توضيح المساحات التي يتداخل فيها بُعد الهوية والأخلاق العامة مع الشأن السياسي.
وثمّة حرص على الفصل الواضح بين الرموز الدينية التي تقود الحركة، وبين الرموز السياسية التي تسيّر الحزب. وقد كانت استقالة قيادات الحزب (الأمين العام وأعضاء الأمانة مثلاً) من مواقعهم القيادية في الحركة، استمراراً لهذا التوجه.
وبعيداً عن المغرب، هناك نموذجان آخران معروضان أمام جماعة الإخوان المصريين في شكل علاقتهم بحزبهم المستقبلي، إذ يمكنهم مثلاً أن يختاروا التحول إلى حزب سياسي، مثلما هو الوضع في حالتي اليمن والجزائر. وفي هذا النموذج، نلاحظ كيف أن التنظيم، الذي يمثّل نواة الحركة الإسلامية، هو نفسه الحزب السياسي بعد أن تلتئم حوله شخصيات عامة في المجتمع (قبلية عشائرية أو رجال أعمال كما هي الحال في اليمن). لا يخلو هذا النموذج من مخاطر في حالة قيام تحالف محتمَل بين السلطة والحركة، بحيث يتهدّد رصيدها المجتمعي والسياسي (حالة حركة «حمس» الجزائرية)، حتى إنه يمكن أن يواجه خيار الانحياز السياسي للنظام وتوظيف الأخير له (حالة التجمع اليمني للإصلاح إبان التسعينيات).
أما النموذج الثاني، فتمثّله الحالة الأردنية. وفق هذا النموذج، تقرّر الحركة الإبقاء على الأهمية الدينية للجماعة، فيكون الحزب (جبهة العمل الإسلامي) ذراعها في العمل السياسي، من دون أن يكون هناك تمييز واضح في الوظائف، أو على مستوى القواعد.
وفي مثل هذا النموذج أيضاً، يمكن أن يرتهن العمل الإسلامي لإكراهات السياسة وطبيعة البنية المجتمعية والواقع الدولي المتعارض مع المرجعية الدينية للحركة الإسلامية، لا سيما في العلاقة مع إسرائيل.
تكمن خشية عدد من المراقبين للحالة الإسلامية الإخوانية في أن يكون النموذج الأردني هو الذي يداعب خيال الإخوان المصريين ويحظى برضاهم، على الرغم من عيوبه. أولاً لأن تراث الوجود السياسي و«التاريخي» للإخوان، بوصفهم الحركة الإسلامية الأمّ، من شأنه أن يجعل استنساخ النموذج المغربي أبعد احتمالاً عن الإخوان المصريين، لكونهم تعوّدوا النظر إلى أنفسهم ممثلين تاريخيّين وحيدين للمرجعية الإسلامية.
وثانياً لصعوبة إجراء فصل على مستوى القواعد بين المنتمين للحركة والمنتمين للحزب، فضلاً عن إمكانية إجراء فصل على مستوى الوظائف وبرامج التكوين والتثقيف والتربية.
كلام يعني أنّ الفصل على مستوى مجالات العمل والرموز والخطاب سيكون صعباً، خاصة في ما يتعلق بالركون إلى الشعارات الإسلامية التي سيرفعها الحزب المفترض، وحشده للقوى والقيادات الإخوانية خلف معاركه الانتخابية المنتظرة.