القاهرة | تعيش مصر الآن على صفيح ساخن؛ تتنازعها أيدي الرافضين للتعديلات الدستورية والمؤيدين لها، وكلا الطرفين له مبرّراته. الرافضون يرون أن الحلّ في دستور جديد يمثل نقطة انطلاق حقيقية للديموقراطية. والمؤيّدون يؤكّدون أن التعديلات تُنهي حكم العسكر وتعجل بعودتهم الى الثكَن؛ وما بين الفريقين مسافة اتسعت في الفترة الماضية مع التلاسن عبر وسائل الإعلام.

ليس هذا فقط، فقد ظهر إعلان تلفزيوني يضم نخبة من نجوم السياسة والفن والمجتمع، أبرزهم محمد البرادعي وعمرو موسى ونجيب ساويرس والممثل أحمد حلمي وزوجته منى زكي والداعية عمرو خالد، ويدعو الى رفض التعديلات وحث المواطنين على القول «لا» في الاستفتاء؛ وهو الإعلان الذي جاء ردّاً على دعوات الإخوان والسلفيين والحزب الوطني وحشد الناس للتصويت بـ «نعم».
تسع مواد فقط طاولها التعديل في دستور 1971 وهي المواد، 75 و76 و77 و88 و93 و139 و148 و179 و189. وتتركّز على شروط وطرق انتخاب رئيس الجمهورية وطرق الفصل في صحة عضوية نواب البرلمان، لكن اللافت في هذه التعديلات بوجه عام أنها أبقت العديد من الصلاحيات المطلقة لرئيس الجمهورية، وهو ما يعني بقاء النظام الاستبدادي الذي أسقطته الثورة.
أولى المواد 75، كانت تنص على أنه «يشترط في من يُنتخب رئيساً أن يكون مصرياً من أبوين مصريين، وأن يكون متمتعاً بالحقوق المدنية والسياسية، وألا تقل سنّه عن40 سنة». وأصبحت مع التعديل: «يشترط في من ينتخب رئيساً أن يكون مصرياً من أبوين مصريين وأن يكون متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية وألّا يكون قد حمل، أو أي من والديه، جنسية دولة أخرى، وألا يكون متزوجاً غير مصري وألّا تقل سنّه عن 40 سنة». يؤخذ على هذه المادة أنّها حددت شروطاً معينة للمرشح، بغية انطباقها على شخصية بعينها، واستبعاد آخرين. وتعني الصياغة الجديدة استبعاد المرأة من الترشح، ما يعد تكريساً للتمييز ضدّها وإخلالاً بمبدأ المساواة. أما الموافقون على هذه المادة، فيرون أن النص راعى عدم التأثير في شخص المرشح بأي تيار سياسي خارجي وضمان إخلاصه وولائه لمصر التي يحمل جنسيتها فقط هو وزوجته وأصوله.
ثانية المواد 76. قبل التعديل كانت «يُنتخب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع السرّي العام المباشر ويلزم لقبول الترشيح للرئاسة أن يؤيّد المرشح 250 عضواً على الأقل من الأعضاء المنتخبين لمجلسي الشعب والشورى والمجالس الشعبية المحلية للمحافظات، على ألا يقل عدد المؤيدين عن 65 من أعضاء مجلس الشعب و 25 من أعضاء مجلس الشورى و10 أعضاء من كل مجلس شعبي محلي للمحافظة..». وبعد التعديل أصبحت «ينتخب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع السري العام المباشر، ويلزم لقبول الترشيح أن يؤيّد المتقدم 30 عضواً على الأقل من الأعضاء المنتخبين لمجلسي الشعب أو الشورى أو أن يحصل المرشح على تأييد ما لا يقل عن 30 ألف مواطن ممن لهم حق الانتخاب في 15 محافظة على الأقل. وتتولى لجنة قضائية عليا الإشراف على الانتخابات وتكون قراراتها نهائية ونافذة بذاتها غير قابلة للطعن». الموافقون على هذا النص يرون أنه تفادى العيب الدستوري بطول المادة، التي تعدُّ من أطول مواد الدساتير في العالم، إضافةً الى تخفيف شروط الموافقة على الترشح وقصرها على أحزاب معينة لها نسبة تمثيل في البرلمان.
أما رأي الرافضين، فيقول إن المادة لا تزال تعاني من التفاصيل المملة، فيما أخلّت بمبدأ المساواة، حيث فرّقت بين المنتمين إلى أحزاب سياسية وغير المنتمين، وأعطت صلاحيات مطلقة للجنة المشرفة من دون أن تحدد اختصاصاتها، وجعلتها خصماً وحكماً في آن واحد بعدم الطعن في قراراتها، ما يجعلها سلطة استبدادية.
ولم تنل أي مادة من مواد التعديل إجماعاً وقبولاً كما حصل مع المادة 77، التي كانت تنص على أن «مدة الرئاسة 6 سنوات. ويجوز إعادة الانتخاب». وبعد التعديل أصبحت «مدة الرئاسة 4 سنوات ولا يجوز إعادة الانتخاب إلا لمدة واحدة ثانية». اتفق الجميع على الصيغة الجديدة لأنها قطعت الطريق على تمديد بقاء الرئيس في الحكم.
وبالنسبة إلى المادة 88، فقد كانت: «يحدّد القانون الشروط الواجب توافرها في أعضاء مجلس الشعب ويبيّن أحكام الانتخاب والاستفتاء. وتتولى لجنة عليا تتمتع بالاستقلال والحيادية الإشراف على الانتخابات، على أن يكون من بين أعضائها أعضاء من هيئات قضائية..». وبعد التعديل أصبحت: «تتولى لجنة عليا ذات تشكيل قضائي كامل الإشراف على الانتخاب، والاستفتاء تحت إشراف أعضاء من هيئات قضائية ترشحهم مجالسها العليا ويصدر باختيارهم قرار من اللجنة العليا». ويرى الموافقون أنها أكّدت على تأليف لجنة عليا ذات اختصاص قضائي كامل لضمان نزاهة العملية الانتخابية، بينما يشير الرافضون الى أن ما ينطبق على هذه اللجنة ينطبق على لجنة الانتخابات الرئاسية، يضاف إليه أن عملها سيكون تحت إشراف أعضاء من هيئات قضائية ترشحهم مجالسها العليا، الأمر الذي يشرك النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة في عمليتي الاقتراع والفرز، رغم تبعية الهيئتين للسلطة التنفيذية.
للوهلة الأولى تبدو المادة 93، المعنية بالفصل في عضوية نواب البرلمان مقبولة، لكن مع التدقيق في نصّها بعد التعديل، يتضح أن هناك خلافاً، حيث نصت قبل التعديل على أنه: «يختص المجلس بالفصل في صحة عضوية أعضائه وتختص محكمة النقض بالتحقيق في صحة الطعون المقدمة إلى المجلس بعد إحالتها عليها من رئيسه. ولا تعدّ العضوية باطلة إلا بقرار يصدر بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس». فيما جاء التعديل على النحو التالي: «تختص المحكمة الدستورية العليا بالفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس الشعب وتقدّم الطعون إلى المحكمة خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من تاريخ إعلان نتيجة الانتخاب وتفصل المحكمة في الطعن خلال 90 يوماً».
وألغى هذا التعديل أسطورة أنّ المجلس «سيّد قراره» من خلال إحالة الطعون على المحكمة الدستورية العليا؛ ورغم وجاهة التعديل، يعدّ الرافضون إحالة الطعون على المحكمة الدستورية إخلالاً واضحاً بدورها في مراقبة دستورية القوانين، إضافةً الى أن الفصل يعد عبئاً كبيراً على قضاة المحكمة الذين لا يتجاوز عددهم 17 قاضياً.
لم يفت التعديلات الإشارة الى كيفية اختيار نائب رئيس الجمهورية في المادة 139 التي كانت قبل التعديل: «لرئيس الجمهورية أن يعين نائباً له أو أكثر ويحدد اختصاصهم ويعفيهم من مناصبهم وتسري القواعد المنظمة لمساءلة رئيس الجمهورية على نوابه». وقد عُدّل هذا النص ليصبح: «يعين رئيس الجمهورية خلال 60 يوماً على الأكثر من مباشرته مهمّات منصبه نائباً له أو أكثر ويحدد اختصاصاته، فإذا اقتضت الحال إعفاءه من منصبه وجب أن يعين غيره». المؤيدون يرون في هذه المادة إنجازاً كبيراً، حيث شدّدت على وجوب وجود نائب أو أكثر للرئيس في مدّة لا تتعدى 60 يوماً، فيما يطالب الرافضون للتعديلات بانتخاب نائب الرئيس نظراً إلى أهمية المنصب.
وورد في المادة 148 قبل التعديل أنه: «يعلن الرئيس حالة الطوارئ على الوجه المبين في القانون ويجب عرض هذا الإعلان على مجلس الشعب خلال 15يوماً». وبعد التعديل أصبحت: «يعلن الرئيس حالة الطوارئ على الوجه المبين في القانون ويجب عرض هذا الإعلان على مجلس الشعب خلال الـ7 أيام التالية ليقرّر ما يراه بشأنه. ويجب موافقة غالبية أعضاء مجلس الشعب على إعلان حالة الطوارئ، وفي جميع الأحوال يكون إعلان حالة الطوارئ لمدة محدودة لا تتجاوز ستة أشهر، ولا يجوز مدها إلا بعد استفتاء». ويرى الرافضون أن التعديل يكرّس سلطات وصلاحيات رئيس الجمهورية.
وفي ما يتعلق بقضايا الإرهاب، أُلغيت المادة 179 التي نصت على أن: «تعمل الدولة على حماية الأمن والنظام العام في مواجهة أخطار الإرهاب، وينظم القانون أحكاماً خاصة بإجراءات الاستدلال والتحقيق. ولرئيس الجمهورية أن يحيل أي جريمة من جرائم الإرهاب على أية جهة قضائية منصوص عليها في الدستور أو القانون».
آخر المواد الخاضعة للتعديل هي المادة 189، فقرة أخيرة مضافة جاءت كالآتي: «لكل من رئيس الجمهورية، وبعد موافقة مجلس الوزراء، ونصف أعضاء مجلسي الشعب والشورى طلب إصدار دستور جديد، وتتولى جمعية تأسيسية من 100 عضو، ينتخبهم غالبية أعضاء المجلسين من غير المعيّنين في اجتماع مشترك، إعداد مشروع الدستور في موعد غايته 6 أشهر من تاريخ تشكيلها، ويعرض رئيس الجمهورية المشروع خلال 15عشر يوماً من إعداده على الاستفتاء». وأثار هذا التعديل جدلاً واسعاً بين القوى السياسية؛ وتطلب قوى اليسار الرافضة أن تكون الجمعية التأسيسية منتخبة لا ممثلة للتوجهات السياسية لأعضاء البرلمان.
معركة الموافقة على التعديلات الدستورية أو رفضها تنتهي اليوم، وتكشف الى حد كبير في أي تجاه تسير مصر بعد ثورة 25 يناير.