«ها تقول إيه؟»، سؤال يطلّ من كل مكان، وفي أي لقاء بين اثنين من المصريين، هذا حدث في حدّ ذاته. التحرّر من السلطة يتحقق بأسلوب غير مباشر، لم يدع لديها وحدها حق تقرير المصير، ليس هناك من يحتكر النتيجة، رغم أن ثمّة من يحاول. الثورة لا تزال في الملعب، وجسمها يحتفظ بأجسام مضادة لبكتيريا معقّدة، وفيروسات متوحشة تهاجم الجسم، بكل ما يضرب مناعته.

الثورة جسم كبير، يتعلم السير في شوارع جديدة عليه، جسم بلا أب ولا خريطة إرشادية ولا دليل معلومات، تحاصره حواجز سلطوية: المصلحة العامة، الاستقرار، وغيرها من مفاهيم واسعة مطاطة، تقال من دون تعريف ولا تحديد، كأنها ملك من يقولها، الذي يعرف أكثر، ويرى اوضح.
لماذا «نعم» هي المصلحة، و«لا» ضد الاستقرار؟
كيف سيعود المستثمرون الى مصر بمجرد «نعم»، ولماذا ستفجر «لا» الفوضى؟
السلطة تعرف المصلحة وتحتكرها والمختلفون معها «جواسيس» و«عملاء أجندات» و«قلّة مندسّة». هذه مصطلحات تعود إلى الجدل حول الاستفتاء بمسميات أخرى، وإن روح الاتهام نفسها.
يكتب موقع «الإخوان المسلمين» على الإنترنت قطعة إخبارية تقول إن اصحاب «لا» يحصلون على تمويل أميركي. لغة اتهامية كشفت عن خطاب سلطوي تحت جلد الاضطهاد والتضحية.
الكشف أفزع قادة «الإخوان» واعتذر المرشد، محمد بديع عن الخبر، وعن لافتة تقول إن «نعم» فرض شرعي. اعتذار لا يعني مراجعة بل أنّ جسم الثورة لا يزال يقظاً، وجهاز مناعته يعمل بكفاءة ملحوظة.
جسم يجمع طفولة ومراهقة ونضجاً في مواجهة كيانات تخرج سلطويتها المدهشة بنحو عفوي. «الإخوان» يريدون حجز موقع باسم التضحية، وباسمها أيضاً يمارسون سلطوية العارف والقائد، وسارق الكعكة كلها.
نبرة سائق التاكسي متحدّية: «سنقول لا... لأن مفيش بيت جديد من غير أساس. والدستور هو أساس الدولة الجديدة». لا يقرأ ولا يكتب، وكان متردداً بين «التحرير» و«ماسبيرو»، أي بين الثوار وذيول مبارك، وحسم الموقف يوم موقعة الجمل، نزل الميدان وهناك رأى «مصراً جديدة»، يريد أن يراها الآن خارج الميدان.
السائق يحمل منشورات تدعو الى «لا»، يوزعها، ويدير حواراً، بينما دعاة «نعم» يثيرون الخوف من الفوضى والتخريب. هذا ما فهمه الشاب الذي اكتشف نفسه في أحد منعطفات الثورة.
لم تعد كلمة «لا» غريبة، لكنها تتحرك بإيقاعات متضاربة بين ثوار متعجلون، أحياناً، وشعب يسير سياسياً بإيقاع من يمشي بحذاء ثقيل في طمي النيل. سائق آخر سيقول «لا» لأنه يريد ثورة كاملة، ولا يريد عودة الوجوه القبيحة (كلها مبارك ومعارضته، الرئيس وأيتامه كلهم كلهم). أما الذي قال «نعم» فأصرّ أولاً على أنه سيذهب، وسيدلي بصوته، لكنه يريد عودة الحياة الى ما كانت عليه.
وهل تنسى الثورة؟ يقول: «لا طبعاً الثورة دي الّي غيّرتنا وها تخلّي مصر أحسن بلد».
الجدل في كل مكان، والسؤال يعني دخول مصر في اكبر عملية «تسييس» منذ ولادة دولتها الحديثة. ملايين يدخلون مسرح السياسة للمرة الأولى، ويكسرون، بوعي أو بتلقائية، حواجز وضعتها أجهزة تسلطية وجماعات تعيش تحت ظلها، لكي تكبح جماح الثورة.
التسييس حرر المسرح من الممثل الواحد وسنّيده. ثنائيات جمهورية التسلط اختفت، وتعدّدت الألوان. يلحّ خطاب إعلام ارتمى في حضن الجيش، بعد اختفاء الرئيس، على شعار: «قل نعم من أجل مصر».
ويردّ المجتمع المدني بإعلان كبير لـ«لا»، يضمّ صور نجوم مجتمع وسياسة وإعلام وسينما ورجال أعمال، من ساويرس الى احمد حلمي ومنى زكي، وصولاً الى عمرو حمزاوي ومحمد البرادعي وعمرو موسى وعمرو خالد.
مجتمع مدني بلا أيديولجيات سلطوية، يخرج الى الشاشات ليواجه سلطوية أدواتها قديمة ولغتها غارقة في بحيرة
عطنة.
سلطوية تعيش مأزقها الأكبر بالنسبة إلى أزمة القوى الثورية. السلطوية تحكم، لكن الشرعية في الشارع. يركب الإخوان وغيرهم سفن المجلس العسكري، لكن المجلس نفسه يعرف أن الثوار هم من يبنون الجسور الى المستقبل.
يظهر عبود الزمر متصوراً أنه خميني أو مانديلا.
ويفرح المجتمع المدني برفع الظلم، لكن الظلم لا يمنح حق الوجود السياسي. الوجود مرتبط بالمشروع والحيوية، والتقاط روح الثورة لا إعادتها الى سراديب أمراء العنف في السبعينيات
والثمانينيات.
الثورة ذكية حتى الآن في الهروب من السراديب، أو في تحرير منصّاتها. ويبدو أنها بدأت بالالتفات الى حرب المواقع، وبدلاً من الشكوى من سيطرة «الإخوان» والسلفيين والكنيسة على الفضاءات الجماعية، انتشرت قوافل كبيرة من الثوار تخترق الحواجز، وتوزع منشوراتها في كل أحياء القاهرة والمدن، لقاء مباشر مع الجماهير أسيرة مؤسسات الوصاية.
نوبات يقظة في اللحظات الأخيرة أوصلت «لا» الى مناطق جديدة عليها، وفكّكت الخطاب السلطوي، داعية الى التفكير: لماذا نقول «نعم»؟
ولماذا الاستقرار يرتبط بإجابة محدّدة على التعديلات الدستورية؟ السلطوي لا يدع مساحةً للتفكير، يزمجر، ويشير الى ما يراه مصلحتك بكل الحنان اللازم. وحشية حنونة، يعرفها الشعب جيداً، وجرّبها ستة عقود كاملة، وأصابته بالخرس.
اليوم مطلوب منه الكلام، ويدرك أن كلامه مؤثر، لكنه لا يزال منوّماً مغناطيسيّاً تحت خطاب موجّه من السلطة، يعرف كل شخص أن صوته في الصندوق أصبح مهمّاً، لكن البقاء في أسر مؤسسات الوصاية في التلفزيون والجامع والمدرسة، يجعله يضع في الصندوق ما تريده هذه المؤسسات.
مرّت الفتاة بمجموعة رجال بالقرب من المسجد. الفتاة عصرية، ترتدي بنطلون جينز وشعرها لا تغطّيه بالحجاب، وتحمل دعوات إلى قول «لا للتعديلات».
المجموعة نظرت إليها بريبة، وفاجأتهم هي: «خدوا البيان... موش ها يعضكم».
صدمة فكّكت التصلب، وأنشأت حواراً بين ابنة المدينة ورجال يضعون ساقاً هنا وأخرى في زمن ومكان آخرين...
هذا الحوار هو قوة الثورة تقريباً.
ثورة المدينة إيقاعها سريع، لكنها محشورة في شوارع ضيّقة، محاصرة بعواطف قديمة جداً. تسأل عن مصير الجمهورية، فيجيبك الطرف الآخر: «لكننا نحب الجيش».
تردّ: «وما لمحبة الجيش بخلاف سياسي واستحقاق ديموقراطي... الجيش مؤسسة لها مكانتها المعنوية، لكن لا علاقة لهذا بسؤال في السياسة».
هكذا فإن الاستفتاء نقطة عبور الى شوارع جديدة، لا يمكن أحداً أن يتخيل هندستها من الآن.




الميدان يرفض التعديلات

عشيّة الاستفتاء، تظاهر الآلاف في ميدان التحرير بالقاهرة احتجاجاً على التعديلات الدستورية الجديدة، لأنها لا تلبّي مطالب «ثورة 25 يناير». وتجمّع نحو ثلاثة آلاف شخص في الميدان، وردّدوا هتافات: «يسقط يسقط الدستور، والشعب يريد إعلان دستور جديد، ويا شهيد نام وارتاح، نحن نكمل الكفاح، ويا شهيد نام واتهنّى، حسني في نار وانت في جنة، ثورة ثورة في الشوارع والمصانع، ثورة ثورة في الكنائس والجوامع».
ورفع بعض الناشطين لافتة عملاقة كتب عليها بالأحمر: «دستور مبارك سقط بقيام الثورة... تعديله باطل». وقال علاء الصياد (28 عاماً) «بدلاً من ترقيع الدستور الحالي، الأجدر الاستفتاء على دستور جديد. هدّدونا بالفوضى عندما طالبنا بتنحّي (حسني) مبارك ولم تحصل، وهدّدونا بالفوضى عندما طالبنا بتنحّي (رئيس الوزراء أحمد) شفيق ولم تحصل، والآن يهدّدوننا بالفوضى لأننا نطالب بدستور جديد».
(أ ف ب)