عمد نظام العقيد معمر القذافي إلى محاولة استيعاب قرار مجلس الأمن، معلناً وقف إطلاق النار لحماية المدنيّين، فيما استمرت قواته بشن هجمات، ولا سيما حول المنشآت والموارد النفطية والموانئ

بعد ساعات من التصويت على قرار مجلس الأمن الدولي بفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا، تتابعت المواقف المتناقضة من القرار الدولي، بعد تحفظ الصين واستبعاد روسيا المشاركة في تطبيق الحظر. لكن رغم إعلان القذافي وقف النار، واصلت قواته الزحف نحو بنغازي، الأمر الذي دفع باريس ولندن وواشنطن ودولاً عربية، الى توجيه إنذار للقذافي بضرورة وقف القتال «على الفور» تحت طائلة التدخل العسكري تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي، حسبما أعلنت الرئاسة الفرنسية في وقت لاحق.
وكان وزير الخارجية الليبي موسى كوسا، أعلن أن سلطة القذافي قررت «الوقف الفوري لإطلاق النار ولجميع الأعمال العسكرية»، مؤكداً أن بلاده «ملتزمة بقبول قرار مجلس الأمن الدولي».
وفي موقف يشي بمدى قلق النظام الليبي من التدخل الدولي، قال كوسا إن «ليبيا حريصة على حماية كل المدنيين وتقديم الخدمات الإنسانية لهم، واحترام حقوق الإنسان والالتزام بالقانون الدولي واتخاذ جميع الإجراءات لسلامة الرعايا الأجانب الموجودين على أراضيها».
وأكّد التزام بلاده بما «تضمّنه القرار 1973 بشأن حماية المدنيين ووحدة التراب الليبي».
غير أن كوسا أعرب عن استغراب بلاده «القرار باستخدام القوة العسكرية»، موضحاً أنّه «خروج خارق على ميثاق الأمم المتحدة ومساس بالسيادة الوطنية».
في المقابل، قال قائد الثوار الليبيين، العقيد خليفة حفتير، إن إعلان قوات العقيد معمر القذافي وقف إطلاق النار «ليس أمراً مهماً» بالنسبة إلى المعارضة، موضحاً أنها خدعة من القذافي. وأضاف «القذافي لا يقول الحقيقة أبداً، العالم كله يعلم أن القذافي كاذب، هو وأبناؤه وعائلته وكل من هم معه كاذبون».
في هذه الأثناء، بقيت مسألة خطوط التماس ومن يسيطر على المنشآت والموارد النفطية والموانئ في ولاية أجدابيا محل تضارب ونزاع. عن هذه الاشكالية تحدث نائب المندوب الليبي لدى الأمم المتحدة، إبراهيم الدباشي لـ«الأخبار» فقال إن «خط التماس يتجاوز مرسى البريقة من الشرق إلى الغرب. هذه الولاية هي البيضة الذهبية لأي نظام سواء في الشرق أو في الغرب، فقوات القذافي التي ووجهت في أجدابيا والبريقة بسلاح جوي مضاد ومنيت بخسائر فادحة على الأرض في هجوم الساعات الأخيرة، باتت في سرت مع جيوب قليلة شرق منطقة البريقة». وأضاف الدباشي أن القذافي ربما يعتقد أنه يقبل وقف النار من أجل اعتماد خط تماس يضم المنشآت النفطية فيستأثر بها، «لكن ذلك لن يتسنى له».
ووصف الدباشي الوضع الحالي بأنه مرحلة التقاط أنفاس وإعادة جمع الجهود وتنظيم الصفوف. وقال إن القذافي الذي يعاني نقصاً حادّاً في إمدادات الوقود بعد تعطل مصفاة الزاوية وفقدان السيطرة على المواد النفطية المقطرة، حاول استقدام ناقلة وقود من مالطا بعد ناقلة أفريقيا لنجل الزعيم الليبي، هنيبعل، التي اعترضتها قوات الثوار وهي آتية من اليونان، وصادرتها مع حمولتها بعد اقتيادها إلى ميناء طبرق الشرقي.
وعن حقيقة الوضع على الأرض، بشّر الدباشي بجولات قتال داخلية وأخرى عبر المدن. «لكن ذلك سيحتاج إلى بعض الوقت من أجل الاستعداد ومواجهة قواته (القذافي) إذا ما حاولت التقدم في أي اتجاه». وقال إن «الصحراء مناسبة لضرب الجيوش النظامية المكشوفة من خلال كمائن، إذا ما توافر السلاح المناسب من عبوات ناسفة وقذائف مضادة للدروع والكادر البشري المدرّب. وهذه نواح تحتاج إلى المزيد من الوقت لإجراء التدريب واكتساب الخبرة. لكن الحصول على الأسلحة لن يكون صعباً بالرغم من الحصار». وخلص إلى أن القوى الثورية المعادية للقذافي تحتاج في مرحلة ما بعد وقف القتال إلى إنجاز بناء مؤسسات للمرحلة الانتقالية والسعي لنيل الاعتراف الدولي بحكومة بنغازي. وشدّد على الحاجة إلى تنظيم المقاتلين وتدريبهم وتجهيزهم، معلناً أن «هذا سيحصل في وقت قريب لأن المعركة لم تنته بعد».
في موازاة ذلك، أبدت الصين «تحفظات جدية» على القرار الذي صدر عن مجلس الأمن. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية، جيانغ يو، «إننا معارضون لاستخدام القوة العسكرية في العلاقات الدولية ولدينا تحفظات جدية حيال بعض نقاط هذا القرار».
كذلك أعلن رئيس هيئة أركان الجيش الروسي، الجنرال نيكولاي ماكاروف، أن «من المستبعد» أن تشارك روسيا في عملية عسكرية في ليبيا.
وفي القاهرة، قال الأمين العام لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، إن قرار مجلس الأمن يهدف الى حماية المدنيين ولا يؤيد أي غزو، وطلب من كل الأطراف «عدم الذهاب الى البعيد».
وفي تونس، قال المتحدث باسم الحكومة الطيّب البكوش، لدى سؤاله عن مشاركة بلاده في عملية الحظر على ليبيا، إن تونس لن تشارك في أي تدخل عسكري ضد ليبيا.. وإنها لن تشارك بأي حال.
وفي لندن، أعلن رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون، أمام البرلمان، أن القوات البريطانية ستشارك في العمليات العسكرية في ليبيا بإرسال طائرات «تورنيدو ويوروفايتر» التي ستلتحق «خلال الساعات المقبلة» بقواعدها. وأعلن حلف شمالي الأطلسي أنه يستعدّ للتحرك المناسب لدعم قرار مجلس الأمن الدولي 1973 بشأن فرض حظر جوي على ليبيا. وأصدر الحلف بياناً على موقعه على الإنترنت رحّب فيه بالقرار الدولي، موضحاً أنه «يوجه رسالة قوية وواضحة من المجتمع الدولي بكامله إلى نظام القذافي». وأضاف أن «ثمة حاجة ملحّة، ودعماً قوياً من المنطقة وتفويضاً واضحاً من الأمم المتحدة لتحرك دولي ضروري».
(أ ف ب، رويترز، يو بي آي)