سخر الرئيس اليمني علي عبد الله صالح من نظيره المصري حسني مبارك حين بلغه خبر تنحّيه. قال للمقربين منه إن حسني نفَسه قصير وأصيب بالرعب، ولم يستطع المواجهة، وخوض المعركة حتى النهاية، وكان مثله في ذلك العقيد معمر القذافي الذي قرّر الرد على الثورة الشعبية بسياسة الأرض المحروقة.

وبات الرئيس اليمني علي عبد الله صالح خلال الأيام الأخيرة امام خيارين: إما الرحيل أو اللجوء الى القوة المفرطة لتفريق المحتجّين في ساحات صنعاء وتعزّ وعدن والمكلا، ومحافظات اليمن وقراه كلها، لكنه فضّل اللجوء إلى الخيار الثاني ليغرق شعبه بالدم.
قبل أن يصل صالح الى خيار استخدم القوة وإعلان حالة الطوارئ مرّ بمجموعة من المحطّات، حاول خلالها أن يراوغ الأزمة ويحتال عليها لكي يكسب الوقت ويحصل على براءة ذمّة، وهو يتحين اللحظة التي يتمكّن فيها من إيجاد مخرج لنفسه بأقلّ التكاليف.
المحطّة الأولى كانت حين باشر صالح التصدي للأزمة من خلال الهجوم على قوى المعارضة السياسية المتمثلة بأحزاب اللقاء المشترك، ودعا هذا التجمع المكوّن من ستة أحزاب، في البداية، إلى إيجاد تسوية سياسية تتوّج بإخلاء المحتجّين ساحات التظاهر، لكنه أخطأ الهدف لأن الشبيبة رفعت منذ البداية شعار «لا حزبية»، وقرر المعتصمون أن يقدّموا نموذجهم الخاص في التغيير، من خلال الاقتداء بالتجربتين التونسية والمصرية، وبرز ذلك من خلال أساليب العمل الميداني وتنظيم الاعتصام وصوغ الشعارات.
كان صالح يدرك أن أحزاب اللقاء المشترك، مثلها مثل الأحزاب الرسمية في تونس ومصر، تخلّفت في الأيام الأولى عن ركب الثورة الشعبية، والتحقت بها بعدما صارت القيادة للشارع. لكنه على تحويل المعارضة الحزبية إلى هدف يصوّب عليه كل يوم، ليُخرج نفسه من دائرة المسؤولية. ومن جانب آخر كان يريد من قوى المعارضة أن تساعده على تمييع حركة الشارع وتخديرها عن طريق منح بعض المعارضين جملة من المناصب والامتيازات، وتأجيل حلّ الأزمة وإحالتها إلى المستقبل من خلال سلسلة من الوعود والتعهدات التي لا تلزم الرئيس ويسهل عليه أن ينقضها حين يتغير ميزان القوى في الشارع.
المعارضة الحزبية رفضت عروض الرئيس لسببين: الأول لمعرفتها بأنها لا تمون على الشارع، والثاني لإدراكها أن سخاء صالح ليس من قبيل الصحوة ونية الإصلاح، بل محاولة منه لتظهير نفسه برداء المعارضة، ولهذا السبب سحبت نفسها من سيرك التنزيلات السياسية والتحقت بالشارع، من دون أن تدّعي قيادته أو توجيهه.
المحطة الثانية هي مبادرة الإصلاح الدستوري التي حملها صالح لوفد هيئة العلماء برئاسة الشيخ عبد المجيد الزنداني. وعلى عكس أحزاب اللقاء المشترك، انخرط العلماء في محاولة تجسير الهوة بين الرئيس والشارع. وفي خطاب ألقاه في نهاية الشهر الماضي، قال صالح إن المبادرة التي حملها للزنداني وهيئة العلماء «كانت آخر طلقة في حزامي»، لكن تبين بعد يومين أن تلك المبادرة لم تكن إلا من قبيل المناورة وكسب الوقت، وهو الأمر الذي كشفه الزنداني عندما اعلن انسحابه من المبادرة وتحميله صالح مسؤولية إفشالها، وأعلن ذلك من ساحة التغيير قبل أن يرحل في اتجاه قريته «أرحب»، واختار الحياد والابتعاد عن ساحات المواجهة بعدما زكّى الاحتجاجات.
المحطة الثالثة هي محاولة الرئيس اليمني تجييش جزء من الشارع الى جانبه من خلال عقد ما سمّاه المؤتمر الوطني، الذي قال الإعلام الرسمي إنه جمع قرابة 40 ألف شخص في صنعاء. وخطب صالح في الحشد مقدّماً مبادرة جديدة في إطار اصلاحات دستورية، تتعلق بتأليف حكومة جديدة، والإعداد لانتخابات برلمانية. لكن تبيّن أن المؤتمر مرّ من دون ان يؤثر في مسار الأزمة، وما إن انفضّ الحضور حتى تعقّد الموقف أكثر وزاد ضغط الشارع على الرئيس صالح، الذي بدأ يدخل في مناوشات واسعة مع المحتجين في صنعاء وتعزّ وعدن، فاستخدم غازات سامة محرمة دولياً في الحادي عشر من الشهر، وأوقع ذلك قرابة 300 إصابة، بالإضافة إلى العديد من القتلى بالرصاص الحي، وخصوصاً في مدن الجنوب التي لقيت معاملة أشدّ فظاظة.
منذ مطلع الأسبوع الماضي وجد علي صالح نفسه في متاهة، لا هو قادر على سلوك طريق السلم، ولا باستطاعته خوض الحرب، وبسرعة ضاقت خياراته، وصار ظهره إلى الحائط، بينما كان مدّ الشارع يكبر ويتسع ويذهب بعيداً نحو دوائر أخرى. ونزلت الى ساحة التغيير قوى كانت حتى وقت قريب محسوبة على صالح، ومنها على وجه الخصوص القبائل التي وجدت نفسها للمرة الأولى في مواجهة مكشوفة مع الرجل الذي تعامل معها بحنكة شديدة، الى حدّ أنها صارت ركناً ثابتاً من أركان حكمه.
لم يتمكن صالح من الوصول الى السلم لأن شروط الطرف الآخر تفرض عليه الاستسلام، وقد تردّد منذ البداية لأن ممثلي الشارع يطالبون الرئيس ببادرة حسن نيه يؤكد فيها مساعيه للإصلاح السياسي، وتمثّلت مطالب الشارع في إقصاء صالح أقاربه عن المواقع القيادية في مؤسسات الجيش والأمن، وإعفائهم من كل المهمات الحكومية التي يشغلونها، والمقصود من ذلك نجله أحمد المرشح لوراثته، والذي يقود الوحدات الخاصة والحرس الخاص، ونجله الثاني خالد الذي يقود فرقة مشاة من 30 ألف جندي، وابن شقيقه يحيى الذي يقود جهاز الأمن المركزي وأشقاؤه طارق قائد الحرس الخاص وعمار قائد الأمن القومي، وينسب الى يحيى الضلوع في غالبية أعمال القتل والبلطجة، ويقول عارفوه إنه يقدم نفسه بديلاً لعمّه، وهو يحاول تحسين صورته من خلال القيام بأعمال وطنية، مثل مبادرات لدعم المقاومة الفلسطينية، ويحلو له ان يزيّن عنقه بالكوفية الفلسطينية، ويضع على صدره صورة تشي غيفارا. وبالإضافة الى هؤلاء، يطالب الشارع بعزل الأخ غير الشقيق للرئيس صالح علي محسن الأحمر، قائد الفرقة الأولى المتمركزة حول صنعاء وطليعة جيوش صالح في كل حروبه السابقة من عدن الى صعدة، وشقيقه الآخر محمد صالح الأحمر قائد القوات الجوية.
رأى صالح أن هذه الشروط تعجيزية، فالمعتصمون يريدون منه ان يتخلّى عن الدائرة الأولى في السياج الحامي لنظامه، ليصبح في مواجهة الشارع، ولذا حاول أن يخدّر الشارع بجملة من التعهدات التي سبق للشعب أن سمعها.
خيار الحرب هو الآخر تعذر على صالح، وبدت المعركة اليوم مختلفة لعدة اسباب. الأول هو أن الخصم هو الشارع وليس طرفاً متمترساً في موقع عسكري أو سياسي. ومن سوء حظ الرئيس أن الشارع رفع منذ اليوم الأول شعار «سلمية سلمية». وكان خبراء جهاز الأمن القومي التابع للرئيس اليمني قد أجروا تقديرات تؤكد سهولة ضرب الانتفاضة الشعبية من خلال لعبة النار، فحاولوا دسّ العديد من عناصر أجهزة الأمن المسلحين، وكلفوهم بإطلاق النار على قوات الجيش لافتعال معركة، يُصوّر من خلالها المتظاهرون كأنهم مجموعة من المسلّحين الخارجين على القانون، لكن اللجان المشرفة على الاعتصامات تنبهت إلى ذلك، وكشفت هؤلاء وأبعدتهم بسرعة، وبالتالي بقيت الاعتصامات سلمية.
والسبب الثاني هو أن النظام لم يعد لديه حلفاء محليّون مثل الذين شاركوه في معاركه السابقة، فقد تخلّى عنه في البداية عدد كبير من برلمانيي حزبه واستقالوا احتجاجاً على أعمال قمع المحتجّين، ثمّ تخلّت عنه هيئة العلماء برئاسة الزنداني الذي شارك صالح حروبه السابقة، ومثّل له ذلك ضربة كبيرة. وجاءت استقالة وزير الأوقاف حمود الهتار، لتنهي أي صلة بين هذه المؤسسة وصالح، فالهتار يعدّ أحد رجال الدين الذين خدموا صالح في العقود السابقة من خلال الفتاوى ومحاورة تنظيم «القاعدة» في اطار برنامج المناصحة.
ثم ما لبثت أن انفضّت من حوله زعامات قبيلتي حاشد وبكيل. لكن الضربة الكبرى جاءته، من دون شك، من جانب عائلة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، ومثّل انضمام شيخ القبيلة صادق الى إخوته المعارضين لصالح خسارة كبيرة للرئيس، الذي بات للمرة الأولى بلا غطاء قبلي فعلي.
والسبب الثالث هو أن الرئيس اليمني يخوض مواجهة من دون قضية، ففي الحروب السابقة كان يجد المشجب الذي يعلّق عليه غسيله الوسخ، لكي يجنّد الشارع من حوله، لكنه هذه المرة يقف في مواجهة الشارع نفسه. يقول كل من يعرف استراتيجية صالح في إدارة معاركه، إنه كان يقدم المبادرة تلو أخرى من باب التسويف وتكتيل الاطراف الى جانبه، لكنه يواجه هذه المرة معركة مختلفة عن كل المعارك التي خاضها في السابق، حيث لم يعد الدم يخيف أحداً.