أرادها المحتجون اليمنيّون سلمية واختار النظام اليمني أن يجعلها دموية. أرادوها جمعة للإنذار فاختارها جمعة للإبادة، مغطّياً ساحة التغيير في صنعاء بجثث الضحايا الذين تساقطوا على أيدي بلطجية النظام في محاولة جديدة للقضاء على المحتجين

لم يكن المشهد في اليمن اعتيادياً، أمس، بعدما تخطى الرئيس اليمني علي عبد الله صالح كافة المحرمات، وأغرق اليمن في حمام من الدم، مطلقاً العنان لقواته الأمنية، التي يسيطر عليها نجله أحمد وأقاربه، للفتك بالمحتجين الذين خرجوا للمطالبة برحيله، في مسيرات هي الأضخم منذ اندلاع الاحتجاجات قبل أكثر من شهر.
وبعد أيام من استخدام الغازات السامة والغارات على المعتصمين وفشلها في احتواء الاحتجاجات، أدرك النظام أن المزيد من الاحتجاجات لن يسهم سوى في تقريب موعد سقوطه، فاختار تحويل التظاهرة المليونية التي شهدتها ساحة التغيير في صنعاء إلى ساحة لاصطياد المعتصمين، بعدما فتحت القوات اليمنية والقناصة النار على المحتجين في أعقاب صلاة الجمعة، فقتلت ما لا يقل عن 46 شخصاً، فضلاً عن إصابة 500 آخرين، ليتوج النظام بذلك أياماً من العنف المفرط ضد المحتجين.
وتحدث شهود عيان ومصادر طبية عن اعتلاء قناصة ومسلحين يتبعون لجهاز الأمن القومي يرتدون ملابس مدنية سطوح منازل مطلة على ساحة التغيير من الناحية الجنوبية، وإطلاقهم النار بطريقة مكثفة على المعتصمين بعد انتهائهم من أداء صلاة الجمعة، ما أدّى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، معظمهم أصيبوا بطلقات في الرأس والقلب والصدر.
وبينما كان إطلاق النار متواصلاً، كان المستشفى الميداني قد امتلأ بجثث الضحايا والمصابين، بما يفوق قدرته على الاستيعاب، ما دفع الأطباء العاملين فيه إلى مناشدة جميع المستشفيات في العاصمة إرسال طواقم طبية وسيارات إسعاف لمعالجة الجرحى، فيما وصف الأمين العام لنقابة الأطباء، عبد القوي الشميري، الموقف بأنه مأساوي.
ولم يجد المحتجون من سبيل للدفاع عن أنفسهم في وجه ما يتعرضون له من مجازر سوى السيطرة على منازل تحصّن بها قناصة أطلقوا الرصاص الحي عليهم. وقال الناشط والمحامي حميد الفقيه «تمكن شباب الثورة المطالبين برحيل صالح وأسرته ونظامه الفاسد، من السيطرة على منازل تحصن فيها قناصة تابعون للمؤتمر الشعبي العام الحاكم وكانوا يطلقون منها الرصاص الحي». وأكد أن أحد تلك المباني هو مبنى البنك اليمني للإنشاء المكون من عدة طوابق، واصفاً ما وقع في ساحة التغيير بأنه «مجزرة»، وأن «صالح كتب على نفسه الرحيل بمزيد من الدماء الزكية، التي سُفكت كأنها مكافأة الخدمة لحكم استبدادي زاد على 32 عاماً».
وأصدر ائتلاف شباب التغيير، بياناً أكد فيه أن عدد ضحايا المجرزة ارتفع إلى 46 شهيداً وأكثر من 500 جريح، متهماً «مجاميع غاشمة من بلطجية النظام وقوات الأمن يقودهم مدير التحري في البحث الجنائي، أحمد علي محسن الأحول، بإطلاق النار مباشرةً من أسلحة خفيفة ومتوسطة على المعتصمين سلمياً»، متعهداًُ أن هذه المجرزة لن تزيد المعتصمين «إلا إصراراً على سلمية الثورة، وأكدوا مواجهة القتلة المعتدين بالصدور العارية، وأنهم لن ينجروا إلى العنف».
ومع انتشار أنباء المجزرة، سارعت القوات الأمنية إلى تشديد إجراءاتها الأمنية في مدينة تعز، التي شهدت بدورها تدفقاً غير مسبوق للحشود تطالب صالح بالرحيل. وانتشرت دبابات وآليات عسكرية قرب ساحة الحرية في مدينة تعز.
وفي مدينة عدن، كبرى مدن جنوب اليمن، شيع مئات الآلاف من المتظاهرين المعارضين جثمان الشاب جلال ناصر، الذي سقط في المصادمات العنيفة التي شهدتها مديرية دار سعد الأحد الماضي. وانطلقت المسيرات من ساحة المنصورة وساحة الشيخ عثمان عقب صلاة الجمعة مروراً بخط عدن تعز ووصولاً إلى دار سعد، حيث شيع الأهالي جثمان الشاب، مردّدين هتافات مناوئة لنظام صالح ومطالبين بإسقاطه وبرحيل صالح عن حكم البلاد، كما ندد المعتصمون باستخدام القوة المفرطة تجاه المواطنين. ولم تكد أنباء المجزرة المرتكبة في صنعاء تصل، حتى خرج عشرات الآلاف في مناطق المعلا وكريتر والتواهي تنديداً بها.
في غضون ذلك، حمّلت المعارضة اليمنية الرئيس اليمني مسؤولية تصعيد الأوضاع. وأكد الناطق الرسمي للجنة الحوار المعارض، محمد الصبري، أن «دم الشهداء من الشباب والشيوخ والأطفال الذين سقطوا في مجزرة البلطجية لن يذهب هباءً»، مشيراً إلى أن «مجرزة اليوم (أمس) بمثابة إعلان جنازة لنظام فاسد».
وفيما دعا الصبري «صالح وأولاده وأسرته إلى الرحيل»، حمل الشيخ صادق بن عبد الله بن حسين الأحمر الرئيس اليمني المسؤولية الأولى عن المجزرة التي ارتُكبت بحق المعتصمين، مؤكداً أنه «إذا كان الرئيس لا يزال رئيساً لليمن، لا للحزب الحاكم، فعليه سرعة محاكمة القتلة مهما كانوا لأنه المسؤول الأول عن الدماء التي سقطت بحكم الدستور».
نصيحة سارع الرئيس اليمني إلى تلقفها، بعدما خرج في مؤتمر صحافي مقتضب محاولاً التنصل من المسؤولية عن الهجوم، معرباً عن «الأسف» لمقتل المتظاهرين، وواصفاً إياهم بأنهم «شهداء الديموقراطية»، وحاول إلقاء مسؤولية المجزرة على الاشتباكات التي قال إنها اندلعت بين المحتجين وسكان من المنطقة، معترضين على ما سبّبته الاعتصامات من تضييق على حياتهم اليومية.
محاولة الرئيس اليمني غسل يديه من دماء المعتصمين ترافقت مع إعلانه حالة الطوارئ في البلاد، للمرة الأولى منذ اندلاع حرب 1994، مستغلاً الحق الذي يمنحه الدستور للرئيس بإعلان حالة الطوارئ في حالة الحرب والفتنة الداخلية والكوارث الطبيعية، إضافةً إلى منع التجول بالسلاح في كافة أنحاء اليمن وتأليف لجنة للتحقيق في ما تعرض له المعتصمون.
وبعدما اعترف صالح بوجود «تواصل بين اليمن والسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي لإجراء وساطة لرأب الصدع بين أطراف العمل السياسي في اليمن»، رأى أن «ما حدث اليوم أفشل هذه المساعي لرأب الصدع وحقن الدماء في الساحة اليمنية»، في وقت أعلن فيه القيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم محمد أبو لحوم سحب مبادرة سياسية كان قد تقدّم بها لحل الأزمة، تدعو الى العودة الى الحوار بين الحزب الحاكم والمعارضة، مطالباً بمحاكمة من سمحوا بارتكاب «مجزرة» بحق المحتجين المطالبين بإسقاط صالح.
إعلان أبو لحوم سحب مبادرته جاء بالتزامن مع كشف قناة «الجزيرة» عن أن شخصيات في الدولة قدّمت مبادرة جديدة لحل الأزمة السياسية، تتركز أهم بنودها على إقالة بعض أقرباء الرئيس الذين يقودون بعض الأجهزة الأمنية، وتنحي الرئيس عن منصبه بحلول نهاية العام الجاري.
وتتضمن المبادرة حل جهاز الأمن القومي، الذي يقوده نجل شقيق الرئيس علي عبد الله صالح (عمار) وإدماجه مع جهاز الأمن السياسي، إضافةً إلى إقالة نجل شقيق الرئيس يحيى من قيادة الأمن المركزي، إضافةً إلى إنشاء حكومة وحدة وطنية تضم مختلف الأطياف السياسية، وعقد مؤتمر عام للإشراف على عمل الحكومة وإجراء تعديلات دستورية في مدة لا تتجاوز نهاية العام الحالي 2011. ومن غير المرجح أن تنجح المبادرة الأخيرة في احتواء الأزمة، بعدما لجأ النظام إلى التصعيد في وجه المعتصمين، وبعد اعتبار مصدر في اللجنة التحضيرية للحوار الوطني أن علي عبد الله صالح، لم يعد مؤهلاً لاتخاذ أي قرارات تخص الشأن العام بعد المجزرة التي ارتُكبت.
(الأخبار)