«عرس الديموقراطية»، هكذا خرجت الكليشيهات من مخازن قديمة لتصف مشهداً جديداً بالكامل، شعب يدخل مسرح السياسة من بوابة كسرتها الثورة، وبدت بالنسبة إلى البعض كأنّ ما حدث من يوم ٢٥ كانون الثاني لم يكن سوى مقدمة لهذا اليوم، والثورة لم تقم إلا من أجل تحرير الصندوق.

تصوّر يختصر الثورة في قفزة للقوى المنظمة، وبالتحديد الإخوان المسلمين والسلفيين، ولكلٍّ تاريخه في التنظيم، والجيش باعتباره قائد أوركسترا ما بعد الثورة، لكنه بلا نوتة موسيقية، لديه نغمة، يحاول الحفاظ عليها وتركيب كل النغمات النشاز لتصبح لحن الثورة، أو اللحن الذي تعزف به الثورة انتصارها.
الثورة انتصرت أمس، هذا نصف الخبر، لكن قوى الإخوان والسلفيين أفسدت الفرح، وهذا النصف الذي سيحوّل الانتصار الى مهمة تحتاج إلى الدفاع عنها. الحقيقة تقول إن «الإخوان» والسلفيين ليسوا وحدهم من قال «نعم»، مجموعات يسارية وليبرالية، تخاف من تحول الجيش الى «مركز الأمل» بطول الفترة لانتقالية، صوتت مع التعديلات التي تسحب القيادة من «الكاكي» الى قوى مدنية تحقق أهداف الثورة بطريق بعيد عن «العسكر».
لكن «نعم» الإخوان والسلفيين ارتبطت بإعلان قوة حشدت المجتمع تحت شعارات الفاشية الدينية، «نعم مع الله» و«أنقذوا الإسلام». لهذا كانت «نعم» مختلفة، تحمل مؤشر الخطر، كأن نتيجة الاستفتاء هي مقدمة لفاشية الغالبية باسم الدين.
ولهذا اتخذ حادث الاعتداء على الدكتور محمد البرادعي بعداً رمزياً، باعتباره موجّهاً ضد القوى المدنية، أو «العلمانيين»، كما وُصفت معركة اختصرت الاستفتاء في «الحرب ضد المادة الثانية» من ناحية، و«حرب لاستعادة الرزق الضائع» من ناحية ثانية.
الاعتداء على البرادعي استخدم الهجوم اللفظي والجسدي، وهو ما حدث في مواقع متعددة معظمها خارج القاهرة، حيث تضعف قشرة الحداثة لمصلحة القوى التقليدية تماماً. الانتهازية لم تكن فقط في استخدام شعارات الشحن على أساس الدفاع عن الدين، وطلب التحاق بالجنة عبر وضع الصوت في الصندوق. الانتهازية بدأت مبكراً في اعتبار الثورة مجرد عملية تحرير للصندوق، كأن اقتحام الجماهير للمشهد، لم يكن بسبب سياسات اجتماعية غير عادلة، وتحديث ناقص يصب في مصلحة شطّار يصطادون الثروات، وليس هناك ما يمنع الآن من تحويل شطارتهم الى اصطياد الثورة من أجل استمرار النظام القديم في قيادة جديدة تعيد توزيع الثروة على شريحة صغيرة، لكنها مختلفة.
الانتصار في الاستفتاء لم يكن انتصاراً، لكنه كشف ما يحدث في كواليس الثورة، ليتوقف جماحها عند حدود «عرس الصندوق»، وهذه دلالة مشهد دخول الملايين المسرح، ليشاركوا في صنع المستقبل، لكن عبر بوابات إلكترونية جديدة، تقود إلى استمرار نظام اقتصادي يقوم على الرزق، لا الإنتاج، بمعنى يربط الدخل بمزاج السلطة، وقدرتها على تكوين قنوات مالية، تربط بها أعداداً ضخمة تواجه مأزق تعارض مصلحتها الضيقة في سير عجلات ضخ الأموال، حتى لو بعودة الفساد ما دام سيوسع دائرة توزيع نتاجه.
الاستقرار هو عنوان هذه الشريحة التي ذهبت إلى الصندوق تدافع عن استمرار «اقتصاد الرزق»، بما فيه من اعتماد على الغيب والقوى العلوية. اقتصاد رزق انتقل من الحاكم، محرك عجلات المال، الى الله مصدر البركة وموزّع الرزق.
هنا التقت المصالح مع موزعي صكوك الغفران الديني الذين أخرجوا أعداداً كبيرة من صمتهم، لكن لكي لا تقع مصر أسيرة «أعداء الإسلام». إنها محاولة تكوين غالبية، تعيد إنتاج النظام القديم بوجوه جديدة، تظهر قوتها وتمارس بلطجتها، وبدلاً من وكلاء الوطنية، تصارع وكلاء الله مع الثورة، متحالفين مع رديف الحزب الوطني، والمستفيدين من تراكمات دولة «التحرر الوطني» التي استعمرت أوطانها.
الاستفتاء كان عملية فرز كبيرة للقوى الثورية، المنحازة إلى قيم المدينة، أولاً، والطبقات المطرودة من سياسات التحول الاقتصادي التي صبّت كلها في مصلحة إقطاع سياسي واقتصادي شهواني.
الثورة لم تكن فقط ضد شهوانية المتوحشين، بل أيضاً ضد الأنساق التي جعلتهم يوظفون كل علاقاتهم بالسلطة في نظام مبارك، والآن يحاولون توظيف الصندوق الذي حررته الثورة. لحظة حاسمة يتصلب فيها جسد الثورة، يتخلص من رخاوته المستوعبة لأفكار ضد تعدد المدينة، وتحررها من سلطان وكلاء الله وشطّار اقتناص الثروات.
الاستفتاء لم يكشف فقط عن ضراوة الإسلاميّين واحتكارهم لسلطة المنبر (في الجامع)، التي تريد أن تسوق الجماهير الى مبتغاها، بل كشف أيضاً عن سلطة أكثر قدرة على إخفاء معالمها، وعلى قيادة الناس في الشارع بسحر الرزق، وجعلهم مثل العجوز الذي هتف وسط المقهى «آسفين يا مبارك... عايزينك ترجع... الرزق كان ماشي في عهدك».
هتاف يطل عليه أصحاب الصور التي يعلقها صاحب المقهى لرموز الفساد. صور تخيّل شاب أن أصحابها اليوم يضحكون من نشوة الانتصار. هل انتصروا؟ أم هُزمت القوى الغريبة عن جسم الثورة بانتصارها في الاستفتاء؟