في حشد لم يسبق أن شهدته صنعاء منذ عقود عديدة، شيّع المحتجون اليمنيون أمس عدداً كبيراً من ضحايا مجزرة جمعة الإنذار، التي ارتفعت حصيلتها إلى 52 قتيلاً، وسط حالة من الحداد والغضب والهتافات المطالبة بإسقاط «السفّاح». وامتدت الحشود من جامعة صنعاء، مركز الحركة الاحتجاجية، إلى مقبرة على بعد عدة كيلومترات، سمّيت مقبرة شهداء ساحة التغيير، في تحدٍ واضح لقرار السلطة فرض حالة الطوارئ التي تحدّ من حرية الحركة وحق التجمّع، وتمنح الشرطة صلاحيات أكبر لإجراء عمليات تفتيش واعتقال.


وأقامت الحشود صلاة الجنازة على جثامين 35 من القتلى لُفّت بأعلام اليمن، فيما انسحبت قوات مكافحة الشغب المحيطة بساحة الاعتصام، واللجان الشعبية التي أنشأها النظام، خشية الاحتكاك بالمعتصمين، مقابل وجود مكثّف لقوات الفرقة الأولى المدرعة، التي يرأسها علي محسن الأحمر، على بعض المداخل المؤدية إلى ساحة التغيير.

وردّد المشاركون، وبينهم قادة المعارضة، هتافات بينها «دم الشهداء مش ببلاش»، فيما رجّح مدير المستشفى الميداني للمعتصمين، عبد الملك اليوسفي، ارتفاع عدد القتلى، ولا سيما أن نحو 30 حالة، من أصل 270 جريحاً، أوضاعهم حرجة للغاية، لأن القناصة كانوا يستهدفون المعتصمين برصاصات قاتلة في الرأس والعنق والصدر.
ورفض المحتجّون، الذين رفع بعضهم لافتات كتب عليها «الجزار صالح ذبحهم لأنهم قالوا لا» و«الديكتاتور المصنوع في أميركا»، محاولات التبرير التي قدمها صالح للنأي بنفسه عن مسؤولية التورّط في المجزرة، كذلك رفضوا مشاركة لجنة ألّفها الرئيس اليمني للتحقيق في الحادث، وطالبوا بالقصاص ومحاكمة الرئيس.
في المقابل، شاركت قيادات المعارضة ممثلةً بأحزاب «اللقاء المشترك» في التشييع، إلى جانب عضو البرلمان الشيخ حميد الأحمر. وأكد رئيس الكتلة البرلمانية للمستقلين، القاضي علي عبد ربه، أنه «يجب محاسبة المسؤولين عن كل قطرة دم»، فيما أعلنت صحيفة «صوت الثورة»، الصادرة عن المعتصمين، القبض على 19 قناصاً كانوا قد تمترسوا على أسطح المنازل المطلة على «ساحة التغيير»، واعترفوا بأنهم ينتمون إلى الحرس الخاص الذي يشرف عليه نجل شقيق الرئيس اليمني طارق محمد صالح.
وكان المعتصمون في ساحة التغيير قد نجحوا، أول من أمس، في مدّ رقعة انتشارهم بعدما انضم إليهم أعضاء هيئة التدريس في الجامعات اليمنية، فيما اقتصرت الصدامات، أول من أمس، على عدن، حيث أطلقت الشرطة اليمنية النار على متظاهرين خلال محاولتها تفريق تظاهرة في المعلا، ما أدى إلى إصابة أحد المحتجّين بالرصاص، بينما أصيب ثلاثة آخرون بقنابل الغاز المسيلة للدموع.
في غضون ذلك، لا تزال تداعيات مجرزة «جمعة الإنذار» تتوالى على الرئيس اليمني، مضيّقةً الخناق من حوله، بعدما بات محاصراً من جبهات عديدة، في مقدمتها القبائل التي انحازت إلى مطالب الشعب. وسُجّل تطوّر لافت أمس بإصدار جميع «علماء اليمن ومشايخه»، من منزل صادق الأحمر الشيخ البارز في قبيلة حاشد النافذة التي ينتمي صالح إلى أحد فروعها، بياناً يطالبون فيه صالح بـ«الاستجابة لمطالب الشعب»، في دلالة حاسمة على أن صالح قد خسر نهائياً دعم القبائل. وساند المشايخ الاحتجاجات المطالبة بالتغيير، موجّهين «التحية إلى شباب التغيير»، وداعين إياهم الى «الاستمرار على هذا النهج»، ودانوا بشدة «المجزرة الجماعية التي ارتُكبت بعد صلاة الجمعة»، معتبرين أن «ما حصل عيب أسود وفقاً للأعراف القبلية». وفي دعوة غير مباشرة إلى الجيش للتمرد على صالح، طالب البيان «وحدات الجيش والأمن بعدم تنفيذ أي أوامر تصدر لهم من أي كان للقتل والقمع».
كذلك سجل القطاع الخاص موقفاً مؤيّداً للثورة، بعدما أعلن الاتحاد العام للغرف التجارية والصناعية انضمامه إلى الحركة المطالبة بإسقاط النظام. وقال الاتحاد إن «القطاع الخاص يرى أن التغيير أصبح ضرورة لانتشال البلاد من الوضع المتردي، ولإيجاد نظام عادل يكون فيه كل أبناء اليمن سواسية، خال من الفساد والظلم»، في وقت بدأت فيه التداعيات الاقتصادية لحالة اللااستقرار التي يعاني منها اليمن بالظهور، بعدما كشف مصدر في قطاع النفط اليمني أن شركة أو. ام. في. النمساوية للطاقة أوقفت الإنتاج في حقل العقلة النفطي في محافظة شبوة، وأنها ستسحب موظفيها بسبب مخاوف أمنية.
وفاقمت عزلة الرئيس اليمني موجة من الاستقالات التي شملت كبار موظفي الدولة، وأعضاء حزب المؤتمر الشعبي الحاكم. وقدمت وزيرة حقوق الإنسان هدى البان استقالتها من منصبها الحكومي ومن حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، لترفع عدد الوزراء المستقيلين إلى ثلاثة، بعد انسحاب وزير السياحة نبيل الفقيه، الجمعة، ووزير الأوقاف حمود الهتار.
بدوره، أعلن رئيس مجلس إدارة وكالة الأنباء اليمنية الرسمية، ناصر طه مصطفى، استقالته على خلفية أحداث الجمعة، وحذا حذوه كلّ من عبد الرحمن بجاش رئيس تحرير صحيفة الثورة الرسمية، والوزير السابق عضو مجلس الشورى خالد الرويشان، والمستشار في الرئاسة محمد رواح القدسي فارس السقاف.
وامتدت موجة الاستقالات لتشمل ممثّلي اليمن في الخارج، وفي مقدمتهم السفير اليمني في بيروت فيصل أمين أبو راس، ومندوب اليمن لدى الأمم المتحدة عبد الله الصايدي، إلى جانب جميلة رجاء علي، وهي سفيرة مفوّضة في وزارة الخارجية اليمنية، المرشحة لتولّي منصب السفير في المغرب. ووجّه سفراء اليمن في باريس وبرلين وأوتاوا والجزائر وفيينا وموسكو وجنيف رسالة احتجاج إلى صالح، ورأوا أن تبرير المجزرة غير أخلاقي. ورأت رسالة السفراء أن الوطن ينزلق نحو الهاوية، ولا مخرج له إلا بعملية سياسية شاملة.
ووسط الضغوط المتزايدة عليه، لم يجد الرئيس اليمني أمامه سوء اللجوء إلى إقالة الحكومة وتكليفها الاستمرار بتسيير الأعمال، في محاولة منه لتحميلها منفردةً مسؤولية التطورات التي يشهدها اليمن.
خطوة أتت بعد ساعات من اجتماع صالح بسفراء دول الاتحاد الأوربي لدى اليمن، وتأكيده أمامهم «التزام بلاده بالنهج الديموقراطي التعدّدي وحق التعبير عن الرأي سلمياً، والتبادل السلمي للسلطة بعيداً عن العنف والفوضى وزعزعة الأمن والاستقرار التي تضرّ بمصالح الجميع».
في المقابل، أكد صالح، أمام مجموعة من الشخصيات الاجتماعية التي التقاها أمس، أن الشعب اليمني يرفض التجزئة وعودة الإمامة والتشطير، متهماً اللقاء المشترك والحوثيين وتنظيم القاعدة بأنهم يدعون إلى تجزئة اليمن وإلى تمزيق الوحدة الوطنية، وواصفاً إياهم بأنهم «عناصر غير مسؤولة»، وذلك بالتزامن مع عودة التوتّر إلى محافظة صعدة بعد اندلاع اشتباكات عنيفة، أول من أمس، بين مسلحين تابعين للنائب البرلماني عثمان مجلي وعناصر حوثية، اشترك فيها جنود من قوات الأمن، وأدّت إلى مقتل 6 أشخاص.



تنديد دولي ... وتظاهرات

تواصلت خلال اليومين الماضيين ردود الفعل الدولية المندّدة بالمجزرة التي ارتكبها النظام في صنعاء. ودانت منظمة المؤتمر الإسلامي استعمال القوة والعنف المفرط ضد المسيرات السلمية في اليمن، مطالبةً «السلطات اليمنية بمحاكمة المسبّبين لذلك».
من جهتها، أكدت وزارة الخارجية الروسية أن لجوء السلطات اليمنية إلى العنف واستخدام القوة غير المتناسب ضد المدنيين أمر غير مقبول. بدورها، أعربت تونس عن «رفضها القاطع» لأعمال العنف، ودعت إلى وقف «النزف الخطير».
وفي موازاة ذلك، اعتصم يمنيون مقيمون في الأردن أمام مقر سفارة بلادهم في عمان، وطالبوا برحيل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح. وفي بيروت، تظاهر أول من أمس عشرات اليمنيين أمام مقرّ سفارة بلادهم، مطالبين برحيل «الطاغية». ورفع المعتصمون الأعلام اليمنية وشعارات بينها «ارحل يا طاغية»، و«مجازرك لن ترهبنا»، و«دم الشهداء لن يضيع».