رام الله | في قرية حبلة، التي تبعد خمسة كيلومترات إلى الجنوب الشرقي من مدينة قلقيلية، شمالي غرب الضفة المحتلة، تجذبك مناظر مزارع الجوافة التي تتوزع في ضواحي القرية وأطرافها، ورائحتها التي تستطيع أن تشتمها بمجرد ولوجك مدخل القرية. هذا الجمال يخفي خلفه ما يعكر صفو الأهالي، بسبب انتشار المخدرات والاتجار بها وزراعتها في قريتهم الصغيرة.


حبلة تتميز بخصوبة تربتها ووفرة مياهها، وهو ما جعل منها مطمعاً لتجار المخدرات في استغلالها لزراعة الأصناف المختلفة من المخدرات، فضلا عن كونها في منطقة حدودية ملاصقة للأراضي المحتلة عام 1948، وهي مصنفة ضمن مناطق (ج) وفق تقسيمات اتفاقية أوسلو، لذلك تعاني الغياب الكامل لسلطة القانون أكان ذلك بوضع يد السلطة الفلسطينية أو حتى العدو الإسرائيلي، وهي بعبارة أخرى: منطقة رخوة أمنيا، ومن دون خدمات إدارية جيدة. وحال هذه هو حال عشرات البلدات والقرى في مناطق (ج)، وباتت تشكل خاصرة رخوة للمجتمع الفلسطيني، يصول فيها تجار المخدرات دون رقيب أو حسيب.
الأرقام الخارجة من الضفة تتحدث عن تضاعف نسبة المدمنين بنسبة 300% عام 2014، بالإضافة إلى انتشار 30 صنفاً جديداً من المخدرات استطاعت الأجهزة الأمنية ضبط عدد منها منذ بداية 2015. ومن هذه الأنواع ما يؤثر مباشرة على خلايا الدماغ ويعمل على إتلافها لينتهي الأمر بالمدمن عليها في مستشفى الأمراض العقلية، كما ضبطت معامل مجهزة بأحدث التقنيات آخرها في مدينة أريحا، شرقي الضفة.
يصف سعيد (28 عاماً)، وهو من سكان حبلة، الإجراءات التي يتبعها الأمن الفلسطيني في ملاحقة تجار المخدرات في قريتهم بالضعيفة والمكشوفة. يقول: «الأجهزة الأمنية لا تستطيع دخول القرية إلا بتنسيق مسبق مع جيش الاحتلال وفي أوقات محددة»، الأمر الذي جعل من السهل تتبع التجار لهم واتخاذ الاحتياطات التي تحول دون الكشف عن أماكن زراعة المخدرات. ويشكو الشاب انتشار صنف خطير من المخدرات في قريتهم يدعى MR.Nice، ومصدره إسرائيل، وهو نوع من أنواع مخدرات «الهايدرو» الذي يؤثر في خلايا الدماغ، ويدخل في تركيبته مواد تستخدم لتهدئة البقر الهولندي في حالة هيجانه.
وحول الطرق التي يعمل بها تجار المخدرات، يشرح سعيد أن المصدر الرئيسي لهم هو إسرائيل، فالقرية تحوي أكثر من بوابة مع أراضي الـ48، وهذه المعابر تفتقد المتابعة الأمنية الإسرائيلية لأنها تخضع لحراسة شركات أمن إسرائيلية خاصة. ويضيف: «يجهد الاحتلال في تفتيش الداخلين إلى الأراضي المحتلة، في الوقت الذي لا يخضع فيه العائدين إلى القرية لأي إجراءات، الأمر الذي يسهل لهم نقل المخدرات من إسرائيل إلى القرية»، ومنها إلى بقية مدن الضفة. وما بعد التهريب تأتي الزراعة، فهم يلجأون إلى زراعة «الماريجوانا» في القرية وإخفائها بين المحاصيل الأخرى للتمويه.
رئيس جمعية «أصدقاء الحياة لمكافحة المخدرات»، التي أنشئت عام 2005 في الضفة، إياد عثمان، يؤكد أن «الاحتلال سبب رئيسي في انتشار هذه الظاهرة، وهو المستفيد الأكبر من ذلك. أهم ما يحققه هو تدمير الشباب الفلسطينيين وتفريغهم من محتواهم النضالي والثقافي والديني والوطني». ويقول: «بسبب الاحتلال يعاني شبابنا البطالة التي تنتج مشكلات اجتماعية وتفككا أسريا. هذه حاضنة مناسبة للإقبال على المخدرات».
وبالذهاب إلى العاصمة، أي القدس، تظهر حملة منهجية ينفذها العدو بأيد فلسطينية لنشر المخدرات، إلى حد باتت فيه عمليات بيع المخدرات للفلسطينيين تجرى على مرأى ومسمع من الشرطة الإسرائيلية التي لا تحرك ساكناً. ويستدرك عثمان: «يحدث بعكس ذلك إذا تعلق الأمر بالمواطن الإسرائيلي».
والسلطة الفلسطينية، في إطار اتفاقاتها مع العدو، يُحظر عليها توقيف أو ملاحقة حملة الهوية الإسرائيلية. وقبل نصف عام تقريبا، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على ثلاثة مستوطنين ينقلون المخدرات إلى مدن فلسطينية، وكل ما جرى هو تسليمهم لـ«الارتباط الإسرائيلي» دون أي إجراءات عقابية أو رادعة.
ومن ناحية قانونية، تعاني السلطة مشكلة أخرى، يوضح عثمان جزءا منها بإشارته إلى أن القانون المعمول به في فلسطين ليس قانوناً فلسطينياً، بل هو مقتطفات من قانون العقوبات الأردني لعام 1960، والقرار العسكري الإسرائيلي رقم 558 لعام 1975. ويلفت إلى ضرورة تحديث قوانين مكافحة المخدرات لتشمل جميع أنواعها الجديدة، كما يجب أن تكون هناك عقوبات رادعة.
وينبه عثمان إلى طرق أخرى لانتقال هذه «الآفة»، بذكر أن من يعمل من الشباب الفلسطينيين في أراضي الـ48 قد يتحررون من العادات والتقاليد ويقبلون في مجتمع إسرائيلي مفتوح على تعاطي المخدرات والكحول، ثم نقلها إلى محيطهم وأصدقائهم في الضفة. كذلك لم يغب عنه التذكير بأن فلسطين عموما، تفتقد مركز تأهيل حكومي مجاني للمدمنين، وفي الضفة المركز الوحيد موجود حالياً في مدينة رام الله، وهو «لعلاج الأفيونيات فقط ولا يوجد فيه سكن للإقامة. كما يعتمد العلاج البديل الذي يستخدم فيه مادة المثادون كبديل لمتعاطي الهيروين. هذا ليس كافيا في ظل وجود عشرات الأنواع من المخدرات».
وعلمت «الأخبار» من مصادر ذات علاقة أن المراكز الفرعية الأخرى الموجودة في ضواحي القدس وأريحا، تفتقد الرقابة والإشراف المباشر من السلطة، ولا تؤدي عملها جيدا نظراً إلى غياب مستوى مهني في التعامل مع الحالات الواردة إليها، وهو ما يدفع «جمعية أصدقاء الحياة» إلى إرسال حالات إلى الأردن ومعالجتها بالتعاون مع الأمن العام الأردني وبصورة سرية. ومن الجدير الذكر أنه شكلت «لجنة وطنية للوقاية من المخدرات» في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، وهي تضم كلا من وزارات الصحة والشؤون الاجتماعية والداخلية والتربية والتعليم والشرطة وعدد من الجمعيات الأهلية، ولكن متابعين يؤكدون أنها غير فعالة واجتماعاتها نادرة ونشاطاتها تأخذ الطابع الموسمي.
وبالبحث في أنواع المخدرات المنتشرة في فلسطين، فإنها تشابه الأصناف المنتشرة في اسرائيل، مثل «الحشيش والماريغوانا والقنب الهندي»، يضاف إليها 38 نوعاً رخيصة الثمن لكنها قاتلة. ويبذل تجار المخدرات جهوداً كبيرةً في سبيل التفوق على حملات المكافحة، وذلك باختراع أنواع جديدة من المخدرات إذا ما عرض مدمنها للفحص لا يمكن اكتشافها، مثل مادة الهايدرو (نوع من الأعشاب يوضع في السجائر وترش بالمبيدات الحشرية)، التي تتسبب في قتل خلايا الدماغ والتأثير في الجهاز العصبي.
من جهة أخرى، أكد نائب مدير «إدارة مكافحة المخدرات» في الشرطة الفلسطينية، المقدم عبد الله عليوي، وجود مشكلة أساسية في تشكيل «إستراتيجية وطنية لمكافحة آفة المخدرات، رابطا الحل بأمرين الأول يتعلق بالعرض، وهو من «اختصاص المؤسسة الأمنية ويتمثل في ملاحقة التجار والمروجين»، والثاني يتعلق بالطلب، وهذا الشق يحتاج «إستراتيجية وطنية تعمل بالتوازي مع الشق الأول في مكافحة المعروض.

يتبع العدو حملة
منهجية بأيد فلسطينية لنشر المخدرات في القدس

السلطة الوطنية تبذل كما دول العالم قصارى جهدها للموازاة بين الشقين في مكافحة الظاهرة».
وبشأن تقسيمات أوسلو، فإن عليوي يقر بأن ما نتج عن تلك الاتفاقية من تصنيف لمناطق (أ) و(ب) و(ج) جعل منها مناطق «هلامية» من الناحية الأمنية بسبب افتقادها المراقبة المباشرة، خاصة في (ب) و(ج)، لذلك «أضحت هذه المناطق ملاذاً آمناً لتجار المخدرات ينشطون فيه لزراعة المخدرات وتصنيعها وترويجها». أما عن شكوك المراقبين اتجاه انتشار المخدرات بصورة منظمة في مناطق الضفة، استبعد أن تكون ظاهرة المخدرات قد وصلت إلى مرتبة «الجريمة المنظمة»، مضيفا: «نشاط المخدرات في فلسطين يتوازى مع ما يجري في العالم من تطورات لإنتاج أصناف ذات جودة عالية». لكن المسؤول الأمني استدرك بالقول: «تنامي النشاط أخيرا في فلسطين يعود إلى سببين الأول ما تعيشه المنطقة العربية من ظروف أمنية سيئة وفرت بيئة جيدة للمافيا، والثاني انفتاح التفات المافيا إلى السوق الفلسطينية لصرف بضائعها»، لافتاً إلى دور الإنترنت في فتح المجال دون قيد أو رقابة أمام التجار للتعرف على أنشطة المخدرات الحديثة وطرق التصنيع المتطورة.
وبشأن تعمد إسرائيل غض الطرف عن نشاط تجار المخدرات في القدس ومناطق (ج) في الضفة، فإنه لم ينف وجود ذلك، بل قال: «يغيب عن الاحتلال الجدية في أي إجراء يتخذه بحق تجار المخدرات... بشكل مغاير تماماً حينما يتعلق الأمر بمسنة فلسطينية تبيع البقدونس أو الخضر».
ومضى يقول: «لا يستبعد أن تكون عملية إنشاء المستنبتات الحديثة في مدن الضفة والمجهزة بالتقنيات العالية من إضاءة وأجهزة تبريد وعوازل وحاضنات مؤشرات على عمل منظم»، مضيفا: «بفعل هذه التقنيات يمكن إنتاج مادة (HTH) بأضعاف مضاعفة، فتصير الشتلة الواحدة بطول 60 سم تنتج من 500 إلى 600 غرام من المواد المخدرة، وهذه الكميات تعود بأرباح جمة على تجار المخدرات». وكشف عليوي عن أن المستنبت الذي ضُبط مؤخراً في أريحا يعود إلى شخص إسرائيلي وبتمويل وخبرة إسرائيلية بحتة، وتابع: «التجار الإسرائيليون يحاولون الاستفادة من اختلاف الأطر القانونية الناظمة في إسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية».
أما إياد عثمان، فيرى أن السبيل لمكافحة انتشار المخدرات والحد من الترويج لها يكمن في وجود قانون فلسطيني شامل وحازم «يأخذ بعين الاعتبار جميع أساليب الاتجار والتصنيع الحديث، وتوحيد جهود المؤسسات ذات العلاقة في هذا المجال، بجانب إيجاد مركز تأهيل أو مركز للفطامة مؤهل ومجهز بأحدث التقنيات والأساليب العلمية الحديثة، ناهيكم عن حملات توعية للناس حول مخاطر المخدرات». ويختتم بالقول: «العملية يجب أن تكون متكاملة (الأمن والتوعية والقانون والتأهيل وخطة وطنية). إذا ما اجتمعت هذه النقاط الخمس فإن الظاهرة ستنتهي».




عباس يوافق على قانون جديد لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية

وافق رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، مطلع الشهر الجاري، على قرار بقانون جديد لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية. وينظم القانون عملية إنتاج واستيراد بعض المواد المخدرة اللازمة للأغراض الطبية والعلمية بوضوح، وينص على إنشاء إدارة خاصة لمكافحة المخدرات، وتشديد العقوبات الصارمة على المنتجين والتجار والمروجين تصل إلى حد عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة. في المقابل، يرى حقوقيون أن القرار بقانون المخدِّرات والمؤثرات العقلية الفلسطيني رقم 7 لعام 2013 لا يرتقي إلى المستوى المطلوب، فهو كما يقولون لم يميز بين أنواع المخدرات، فيما المشرع الفلسطيني جمع بين المخدرات والمؤثرات العقلية في تعريف واحد، وهذا يتنافى مع مبدأ شرعية العقوبة.
(الأخبار)