نيويورك | منذ بداية الانتفاضة البحرينية، صعّدت السعودية من لهجتها. تخلّت عن سياسة «المهادنة» ولجأت إلى «التهديد والوعيد».
تعيش المملكة اليوم حالةً من العصبية والتشنج، الممزوج بالخوف والقلق من التجارب الجديدة. هذا الواقع المستجد دفع السلطة السعودية إلى إطلاق تهديد تاريخي على لسان وزير خارجيتها، عادل الجبير، للولايات المتحدة الأميركية بسحب ودائعها المقدّرة بـ٧٥٠ مليار دولار، إذا تحرّكت المحاكم الأميركية للنظر في دور المملكة في هجمات ١١ أيلول 2001.
وعشيّة الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي، باراك أوباما، ثمّة هلع كبير أصاب الحكّام السعوديين، وأجبرهم على انتهاج هذا الأسلوب. نجم ذلك، بشكل رئيس، عن موجة «الحقن الإعلامي» في الغرب، الذي يستهدف السعودية، بسبب علاقاتها بالتنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط وخارجه، وحربها العقيمة على اليمن.
كثيرون قالوا إن التهديد قد يلحق ضرراً فادحاً بالاقتصاد الأميركي، إلا أن خبراء ماليين في نيويورك سخروا من ذلك، واعتبروه، في حديثهم لـ«أخبار»، «أجوف ويفتقر إلى المعرفة الحقيقية بأصول التعامل المالي مع دولة بحجم الولايات المتحدة ونفوذها على المصارف والدورة المالية العالمية».
ورأى هؤلاء أنّ سحبَ الرياض لودائعها قد يُلحق بها ضرراً أكثر بكثير، حيث لا يمكن المقارنة بين الودائع السعودية والودائع والأرصدة الأخرى، كالصينية، التي تصل إلى مبلغٍ يفوق كل الأرقام المعلنة، ٩ تريليونات دولار.
وأشارت الخبيرة المالية التي تتعاطى في قضايا «المجلس الاحتياطي الاتحادي المركزي الأميركي»، إلى أنّ «الأرصدة السعودية تصل، بحسب الدفاتر الرسمية الأميركية إلى ٩٠٠ مليار دولار، وليس ٧٥٠ كما ذُكر»، لافتةً إلى أن الودائع «تدخل في العمليات المصرفية للبنك المركزي الأميركي وتستخدم لتغطية نفقات التسويات الدولية السعودية».
وأوضحت أن المبالغ السعودية المودعة تدخل في عمليات تبادل مصرفية يومية. وعادةً ما تكون مقفلة لفترة ما بين عامين وخمسة أعوام. لذا، إن تصفية الاستثمارات السعودية لا بد أن تحدث ضمن جدول زمني يراعي فترة الاستحقاق الباقية لمدة الاستثمار. ويتولى هذه العملية البنك الاحتياطي نيابة عن الدولة السعودية.
وبالحالة السعودية، لا تستطيع واشنطن منع الرياض من تصفية تلك المراكز الاستثمارية، إلا إذا كانت الأخيرة تواجه دعاوى تتعلق بالإرهاب، أو متهمة بممارسته. عندها لا تستطيع استخدام حصانتها السيادية لحماية ودائعها واستثماراتها، في المقابل فإن «البنك المركزي الأميركي» هو صاحب الحق في شراء الاستثمارات السعودية وبيعها.

الجبير ينفذ التعليمات ولا يستطيع تقديم النصيحة

وتحدثت الخبيرة المالية عن استثناء الأرصدة في الولايات المتحدة من الحصانة السيادية، في حالة التعاطي مع تهمة الإرهاب، أو مجرد الاشتباه به. وقالت إن القانون الأميركي لعام ١٩٧٦، والمتعلق بحصانة الدول وسيادتها أُصدر لفضّ النزاعات بين المواطنين الأميركيين والحكومات الأجنبية، وهو يعطي المحكمة الأميركية أو المدعي العام الأميركي حق الحجز الاحترازي على الأصول التي يملكها المدعى عليه، خاصَّةً بالنسبة إلى القضايا المتعلقة بالإرهاب.
عام ١٩٩٦ حصل استثناء للدول المصنفة أميركياً بأنها راعية للإرهاب، وإن كانت مدرجة على قائمة الإرهاب الأميركية أو بموجب قانون. هذا الاستثناء قد يتكرر مع السعودية، بعد نشر الصفحات الـ٢٨ المستورة من تحقيق هجمات ١١ أيلول.
وبمجرد صدور الصفحات، يمكن أن يناقشها أعضاء «الكونغرس» علناً، ويُدرجوا الحكومة السعودية على قائمة الإرهاب، أو يدرجوا مؤسسات وأشخاصاً ينتمون إليها.
وتؤكّد الصفحات الـ 28، بحسب أعضاء في «الكونغرس»، أن السلطات السعودية ساعدت اثنين على الأقل من المهاجمين في أثناء إقامتهم على الأراضي الأميركية. أما الدعوى السابقة، المرفوعة على الحكومة السعودية، فرُفضت العام الماضي بداعي الحصانة السيادية، وعدم اكتمال عناصر الدعوى.
غير أن الخطير في الأمر، أن المحاكم تلجأ إلى الحجز بمجرد قبول النظر في الدعوى ضد الدولة التي يمكن أن تتهم بالإرهاب. وهذا لن يمكّن الطرف السعودي، في هذه الحالة، من سحب الأموال كما يهدد قادته.
وتضم لوائح الإرهاب الأميركية أفراداً وجماعاتٍ وليس دولاً فحسب. وبالتالي يمكن أن توجه العقوبات الأميركية إلى أمراء ومتمولين بدلاً من هيئات حكومية لتفادي الحرج مع أعضاء «الكونغرس». كذلك تتجه المساعي الحكومية الأميركية إلى تفادي التضارب بين القانون المحلي وسياستها الخارجية في التعاطي مع التهديدات السعودية.
وفي جميع الأحوال، سيكون هناك تأثير غير مباشر في الاقتصادي الأميركي. ليس بسبب سحب هذا المبلغ من الاحتياط الأميركي عاجلاً أو آجلاً، بل بسبب العولمة المالية. ستضطر العديد من الشركات والبنوك الأميركية وحلفاؤها، إلى إعادة النظر مع الشريك السعودي الذي يملك حصصاً لا يستهان بها من أسهم تلك الشركات والبنوك. وهذه قرارات ستؤثر في قيمة أسهم الشركات. وبالتالي ستؤثر في سيولة الدولار، وتعرقل سلاسة عمل الأسواق المالية العالمية.
وضعت الخبيرة المالية التهديد السعودي في خانة التخبط العشوائي وإظهار عضلات مضخمة بالمنشطات. قالت إن «الجبير ينفذ التعليمات، لأنه يعرف تفاصيل العلاقات المالية بحكم كونه سفيراً سابقاً في واشنطن». آخرون قالوا إنه «عندما تأتي الأوامر لوزير الخارجية من أمير نافذ يؤمن بأن معاداة الأميركيين خير من مصادقتهم، لا يسعه إلا أن ينفذ سمعاً وطاعة، ولا يستطيع عندها الجبير أن ينصحه بالتروي».