غزة | بات معبر رفح مع مصر نسيا منسيا. والبحر الذي كان يمكن الوصول إليه من مصر أيضاً لم يعد متاحاً، لا من نفق تحت الأرض أو ثغرة في السياج فوقها. أما حاجز «بيت حانون ــ إيريز»، فممنوع الحلم به إلا لمن سجله «نظيف» أمنياً، ولم يلق حجرا على إسرائيل، إلا إن كان له «واسطة» كبيرة لدى السلطة في رام الله لتخرجه بأمان.


هنا يعيش نحو مليوني نسمة في مساحة لا تتجاوز 360 كلم مربع، ويحلم مراهقون وشباب كثر في غزة بـ«فيزا» (تأشيرة مرور) إلى أي دولة أجنبية، لبناء مستقبل ضاع في حاضرهم، على أمل تقديم طلب لجوء الى أي دولة تستقبلهم.
لكن الخروج من غزة بحاجة إلى سلسلة طويلة من الإجراءات مثل محاولة الاستحصال على عقد عمل في الخارج، أو قبول من إحدى الجامعات، أو تحويلة مرضية للعلاج في الخارج. وفي حال الحصول على أحد هذه الأسباب تبدأ الخطوة الثانية، وهي تسجيل اسمك في مجمع «أبو خضرة» الحكومي للسفر إذا كان لديك أمل في فتح معبر رفح. هنا لا مانع من تفعيل المحسوبيات ليكون اسمك ضمن الباصات الأولى الخارجة من القطاع. وكل هذه الخطوات ستبقى بلا جدوى اذا لم يفتح المصريون المعبر، كما يجب ألا يكون هناك «منع أمني» على المسافر.

السجل الأمني «النظيف» يخدم المسافر عبر «رفح»
أو «بيت حانون»


أما إذا لم تتمكن من ذلك، فعليك التنسيق مع أحد في «الشؤون المدنية» التابعة لرام الله من أجل الخروج من الجانب الاسرائيلي، فربما يوافق «الارتباط الإسرئيلي» على مرورك عبر «بيت حانون»، ومن هناك إلى الضفة المحتلة ثم الأردن، وبعدها إلى وجهتك الأخيرة. وصاحب الحظ الأوفر هو من يحمل جواز سفر أجنبيا يمكّنه من تجاوز نصف الخطوات المطلوبة.
في أحد مكاتب السياحة والسفر في غزة، التي رفض صاحبها الكشف عن اسمه، أخرج الرجل مئات الملفات وبدأ بتقليبها واحدا واحدا. يقول: «هذا مقدم طلب فيزا على تركيا، وهذا كمان على تركيا، وهذه عيلة كاملة بدها تطلع سياحة برضو على تركيا، في كمّ من طلب زيارات عادية لألمانيا. هاي ست بنتها في دبي وقدمت إلها طلب... في كمان كتير عيل (عائلات) قدمت للسياحة في شرم الشيخ». وأضاف: «المهم انو كل ما حد يجي بدو يستفسر على موضوع السفر، وبدو فيزا بكتشف انو مش ناوي يرجع على غزة ابدا، وبس بدو طريقة يطلع فيها من البلد». مع اشتداد الحصار الإسرائيلي والإغلاق الدائم لمعبر رفح، فإن نسبة الهرب إلى إسرائيل ارتفعت وخصوصاً لدى الشبان الذين لا يرون أن هناك أي مستقبل واضح لهم في القطاع، ولهؤلاء قصص أخرى (راجع العدد ٢٦٨٧ في ٩ أيلول).
أما آخر مسح استطلاعي أجراه «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية»، فيبيّن أنّ نسبة الراغبين في الهجرة بين سكان غزة تبلغ 50%، و25% لسكان الضفة. هذه النسبة ليست مفاجئة، وخصوصاً مع ارتفاع البطالة التي وصلت إلى أكثر من 45%، فيما دقت حالة الفقر أبواب 70%.
يشتكي عبدالله العامل في أحد مطاعم الفول والفلافل الشعبية قائلاً: «اعطيني فيزا هلا لاي بلد وانا بتحداكي ازا برجع تاني؟ مش لاني بكره غزة، لا غزة ما الها ذنب ولكن العيشة في البلد صارت لا تطاق». يضيف: «الله يقول انا خريج اداب لغه عربية اعمل فلافل وفول؟ الشغل مش حرام، وانا واحد بركن على حالي عشان اهلي؟ وعشان اهلي لازم اسافر واشتغل واصرف عليهم».
وأمام مقر «الشؤون المدنية» في غزة وقف محمود (اسم مستعار) منتظراً دوره. محمود استحصل على «فيزا» إلى أميركا وجاء إلى المكتب لتقديم طلب مرور إلى الضفة، يقول: «أختي بامريكا وقدمتلي دعوة، المعبر (رفح) مسكر حاليا، واللي معاهم فيَزْ واقامات مش بالساهل يطلعوا. يعني لازم تدفعي. ففكرت اجي اقدم على تصريح واطلع للضفة ومن الضفة للاردن ومنها لامريكا». ويضيف: «أصدقائي بعتولي دعوة للضفة وعلى اساسها جاي اقدم وان شاء الله خير، والسنة الجاية ما بتشوفي وجهي في غزة ابدا». وقبل أشهر فتح المصريون معبر رفح لأيام. فسافر عبره الشاب أحمد (اسم مستعار) بعد قبوله في احدى الجامعات التركية. وصل ذلك الشاب إلى مدينة غازي عنتاب، تعرف في الجامعة على عدد من الشبان من سوريا والعراق وفلسطين. بعد عدة أشهر قرر بعض أصدقائه ركوب البحر للهجرة إلى ألمانيا.
«حكولي انو في شغل ذهب وعلى الاقل في ضمانة لمستقبلك ولحياتك. هناك الناس بتحس في البني ادم وبتعملوا قيمة، وبتبدا حياتك امن وامان واستقرار على الاقل»، يقول أحمد عبر الهاتف. «سألت إذا كانت الرحلة مضمونة، فقالوا لي لاشيء مضمون في البحر». لم تخف هذا الشاب الفكرة ومصير كثيرين سبقوه، فقرر القيام بهذه الرحلة، وركب القطار مع أصدقائه الذين قرروا الهجرة أيضا، ووصلوا إلى مدينة إزمير.
هناك انتظروا بضع ساعات ليكتمل العدد إلى أربعين شخصاً. ركبوا القارب ليلاً، الرحلة لا تتجاوز مدتها 45 دقيقة، ولكن للابتعاد عن أعين خفر السواحل تطلبت منهم ما يقارب ثلاث ساعات للوصول إلى السواحل اليونانية. وعند نزولهم من القارب دفع أحمد 1200 دولار ليكمل الشباب بعدها طريقهم سيراً على الأقدام. يتابع: «مشينا أسبوعا كامل، وكان الخوف من الحدود الصربية والهنغارية وخصوصاً بعد ما سمعناه عن إغلاق الحدود».
بعد ذلك وصلوا إلى كرواتيا، حيث استقبلوا بصورة جيدة، وفي اليوم التالي أكملوا مسيرهم حتى وصلوا النمسا. المفاجأة بالنسبة إلى أحمد كانت اعداد اللاجئين الفلسطينيين الموجودين هناك. انتظروا القطار الذي سيقلهم إلى ألمانيا. وأضاف: «من يوفق بالدخول إليه والتدافع من أجل ركوبه محظوظ، ومن يفشل ينتظر ليوم او يومين». أحمد كان من المحظوظين، ويضيف: «كان لازم ادفش واصارع الناس عشان افوت ع القطار. جوالي ضاع مني وقميصي اتمزع (تمزق) من كتر الزحمة. الناس الاف اشي مش طبيعي كان، ولكن الحمدلله، ركبت ووصلت المانيا واحنا هلا في مخيم في مدينة ماينز».
أحمد أحد القليلين من غزة الذين استطاعوا الوصول إلى ألمانيا بهذه الطريقة، ولكنهم كلهم لم يستطيعوا قطع حبل الذاكرة ببلدهم. فهم بمجرد خروجهم من القطاع تمتلئ صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعية بمنشورات عن الحنين إليه ولأهلهم.