لم تتفق الدول التي اجتمعت في العاصمة القطرية يوم الأحد الماضي على أي إطار لتجميد إنتاج النفط في المرحلة المقبلة بغية إعادة رفع الأسعار عالمياً، فيما بات يتأكد يوماً بعد آخر أنّ السعودية كانت السبب الرئيسي وراء ذلك، لأنها «تكره إيران أكثر من كرهها لخسارة المال»، وفق تقرير نشرته، أمس، مجلة «فورين بوليسي» الأميركية.
دولة أخرى تقف أيضاً خلف إفشال الاجتماع، هي الولايات المتحدة التي كانت من جهتها تمارس ضغوطاً مكثفة لعدم التوصل إلى اتفاق، لأن «لديها مشكلة مع فنزويلا وروسيا»، وفق وزير النفط الفنزويلي، إيولوخيو ديلبينو.
ورفض المتحدث باسم البيت الأبيض، جوش إرنست، التعليق، أمس، على قرار السعودية، واضعاً الأمر في إطار «الجهود التي تبذلها الدول المنتجة للنفط لتنسيق أنشطتها وتحسين الوضع الاقتصادي لبلادهم». وأضاف: «نحن بالتأكيد ندرك حقيقة أن هناك تأثيراً في اقتصاد الولايات المتحدة»، بيد أنه أشار إلى أن البيت الأبيض «يفضّل تأثير انخفاض أسعار النفط على ارتفاعه».

تقوم الرياض بخطوة في غاية الخطورة ولا تبدو الأمور جيدة حتى الآن

لكن قرار السعودية «معاقبة طهران» من خلال الحفاظ على انخفاض أسعار النفط يمكن أن يرتدّ عليها ويقلل من دورها الإقليمي، وفق ما رأى مدير برنامج السياسة الخارجية في «معهد بروكينغز»، بروس جونز، في حديثه إلى «فورين بوليسي». وأضاف جونز أنه «في العامين الماضيين، رفض محللو سوق الطاقة باستمرار فكرة أن القرارات السعودية في ما يخص إنتاج النفط وأسعاره، لديها بعد جيوسياسي. وهم كانوا على خطأ»، موضحاً أنّ «القلق الاستراتيجي للسعودية حول إيران والمنطقة شكّل عاملاً مهماً في عملية اتخاذ القرارات». وخلص الباحث إلى أنّ «السعودية تقوم بخطوة في غاية الخطورة، وذلك من خلال استخدام احتياطاتها الكبيرة الموجودة في الوقت الراهن لتضغط على عدد من الجبهات في المنطقة»، مشيراً إلى أنه «إذا نجح ذلك في السنة أو السنتين المقبلتين، تكون السعودية قد ربحت. لكن الأمور لا تبدو جيدة حتى الآن».
وكانت السعودية قد قبلت مسبقاً المشاركة باجتماع الدوحة دون أن تكون طهران حاضرة، لكنّ الأمور تبدلت بعدما أعلن ولي ولي العهد، محمد بن سلمان، في حديث نشر عشية الاجتماع، أن دولته لن توقع أي اتفاق تجميد للإنتاج ما لم يتضمن إيران.
من جهة أخرى، اعتبرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية أنّ «خلط» السعودية للاقتصاد بالسياسة هو السبب الأبرز الذي يقف خلف الإخفاق في التوصل إلى اتفاق في الدوحة. وأشارت الصحيفة إلى أن قرار السعودية في ما يخص سياسة إنتاج النفط هو دليل منافسة شرسة ومتزايدة مع إيران.
ونقلت «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين حضروا الاجتماع أنهم تلقوا طمأنات بأن هناك اتفاقاً محتملاً حتى من دون مشاركة إيران، فيما أكد أحدهم أنّ وزير النفط السعودي، علي النعيمي، شدّد قبل الوصول إلى الدوحة على أنه ليس من الضروري أن تكون إيران جزءاً من الاتفاق. ويضاف إلى ذلك، وفق الصحيفة، أنّ مسؤولين سعوديين راجعوا المسودات الأولية لاتفاق الدوحة في الليلة التي سبقت الاجتماع.
في غضون ذلك، كرر، أمس، وزير النفط الإيراني، بيجان زنكنة، قوله إن بلاده لا تنوي تجميد إنتاجها النفطي لأن ذلك سيوازي الإبقاء على العقوبات الدولية التي رفعت جزئياً منذ منتصف كانون الثاني الماضي. ونقل التلفزيون الإيراني عن زنكنة قوله: «بالنسبة إلى إيران، إنّ القبول بتجميد الإنتاج النفطي يعني قبولاً طوعياً (بالإبقاء) على العقوبات التي رفعت بعد جهود ومقاومة من الأمة دامت لسنوات».
وأوضح الوزير الإيراني أنّ «تجميد الإنتاج إلى مستوى كانون الثاني 2016 يعني أن العقوبات لم ترفع، وأن الصادرات النفطية الإيرانية ستكون مستقرة بالمستوى الذي كانت عليه (في فترة) العقوبات». واتهم زنكنة «بعض الدول» المنتجة للنفط بأنها مسؤولة عن الوضع الحالي نتيجة إغراق السوق النفطية، ما أدى إلى هبوط الأسعار. وأكد أن «إيران لم تلعب أي دور في زعزعة استقرار السوق النفطية أو إغراقها، والجهات المسؤولة عن ذلك تحاول الآن التنصل من مسؤولياتها».
على الرغم من إخفاق اجتماع الدوحة، لكن يبدو أن توازن سوق النفط بالمجمل ليس بعيد المنال، إذ قد يسهم منتجو النفط في أميركا اللاتينية، في ظل الضغوط المالية، في وضع آلية لاستعادة التوازن السوقي. وقال الخبير النفطي والرئيس التنفيذي لشركة «بيرا» المتخصصة في استشارات الطاقة، غاري روس، في حديث إلى «رويترز»: «لا شك في أن إنتاج المكسيك وفنزويلا وكولومبيا يتراجع». وأضاف أنه مع بلوغ فائض الإنتاج العالمي نحو 1.2 مليون برميل يومياً العام الماضي، فمن المتوقع أن يشكل هبوط الإنتاج الأميركي والإنتاج الفنزويلي والمكسيكي، إلى جانب هبوط حاد في كولومبيا، في المجمل، انخفاضاً بنحو مليون برميل. وفي المدى القصير، يُسهم خفض الإمدادات من أحد خطوط الأنابيب في نيجيريا وإضراب عمال النفط في الكويت، في إعادة التوازن إلى السوق قليلاً.
(الأخبار)