دخول المقارنة من بوابة الإصدارات المرئية بين «ولاية سيناء» من جهة، و«داعش ــ الأم» من جهة أخرى، لا يحل إشكالية السؤال عن فارق القدرة والتنظيم بينهما، بقدر البحث جيدا في ما وراء تفجير الطائرة الروسية فوق مدينة الحسنة في سيناء، وهل كان وراء هذه العملية «داعش» الفعلية وجاء الإعلان باسم «ولاية سيناء» لاعتبارات معينة، أم ان تطورا طرأ على عمل «أنصار بيت المقدس (سابقا)»، بعد الضربات العسكرية الأخيرة ضدها؟


من المعروف أن «داعش» ينشط بالتراتبية التالية شرق مصر: شمال سيناء، ثم وسطها، وبصورة منخفضة في جنوبها. وإذا صح افتراض أن القنبلة أدخلت إلى الطائرة من مطار شرم الشيخ، فإن «ولاية سيناء» حقق بذلك اختراقا نوعيا في طريقة عمله، وخاصة على الجانب الأمني، وبعيدا عن أسلوب «الغزوات». ومع استبعاد كلي لفرضية إسقاط الطائرة عبر صاروخ أرض ــ جو، في ظل النتائج الاستخبارية الدولية والإعلان الداعشي (مجلة دابق)، فإن السؤال الأهم: هل نفذت هذه العملية «داعش» التي خارج سيناء، أم التي في الصحراء؟
البحث في الإجابة مرتبط بمستقبل المعركة بين «ولاية سيناء»، والأمن المصري جيشا وشرطة، وخاصة في ظل أفول «عهد الغزوات» وبدء «حرب العقول» كما يسميها التنظيم. ولعل الخسائر المادية والبشرية التي تلقتها «الولاية» بعد الردود القوية والعمليات العسكرية الكبيرة في مدن شمال سيناء (رفح والشيخ زويد والعريش)، دفعت العقول المنظمة (خليط من أبناء القبائل والأجانب الوافدين إليهم من الدول الثلاث: ليبيا وسوريا والعراق)، إلى اتخاذ نمط جديد.
مثلا، جرت الانتخابات البرلمانية في شمال سيناء بهدوء أراح القائمين عليها حتى اليوم الأخير، ولكن هذا اليوم شهد عملية أمنية نوعية قرب فندق كان يقيم فيه القضاة الذين يشرفون على الانتخابات، وهم «الوجبة» المفضلة لدواعش سيناء، الذين «أهدوا» هذه العملية إلى «شرف النساء» الذي «ينتهك» على حواجز الجيش.

تعمل القوات الدولية
في شمال سيناء على «احتياطات جديدة مرهقة»

صحيح أن العملية أدت الى سقوط سبعة قتلى وعشر إصابات، لكنها لم تنجح كليا بسبب التصدي للسيارة المفخخة وتفجيرها بإطلاق الرصاص عليها وعلى سائقها قبل وصولها داخل الفندق.
حدوث هذه العملية في اليوم الأخير وفي عمق العريش، وباستخدام انتحاري راجل للتمويه تتبعه سيارة أخرى، فيه دلالات على خرق أمني آخر ناتج من خلل لوجستي أو اختراق استخباري. مهما يكن، فإن تقريرا في صحيفة «التايمز» البريطانية، قبل نحو عشرة أيام، سلط الضوء على أن «مسؤولين بريطانيين في قسم الاستخبارات يحاولون الكشف عن هوية الزعيم الغامض لتنظيم ولاية سيناء». يقول التقرير إن «البحث جار عن أبو أسامة المصري، الزعيم المفترض للتنظيم في مصر، وهو الذي أعلن اخيراً في تسجيل صوتي المسؤولية عن إسقاط الطائرة الروسية».
التقرير البريطاني أوضح أن «أبو أسامة المصري الذي لمع نجمه في عام 2013، عندما ألقى بياناً مسجلاً لأنصار بيت المقدس، أضحى اليوم، المتحدث باسم ولاية سيناء»، لكن متخصصين مصريين تحدثوا في التقرير قالوا إن التنظيم «يحرص على عدم الكشف عن وجه المصري ويعمد إلى إخفائه، كما يظهر دوماً وهو مرتدٍ قفازات بيديه». ويضيفون: «من الواضح أن أبو أسامة متمكن من الفقه الإسلامي، فخطاباته غنية بالآيات القرآنية والدلائل الفقهية».
من ناحية أخرى، أوردت وكالة «رويترز» تقريراً عن مصير أصحاب «القبعات البرتقالية» ــ (MFO) بعدما تبين أن «ولاية سيناء» سيغير طريقة عمله، وقد يعمد إلى خلط الأوراق بضرب «قوات حفظ السلام» التي تعمل هناك منذ ثلاثة عقود، أو حتى أهداف إسرائيلية، بجانب استمرار «الحرب» على الجيش المصري.
غالبية تلك القوات يقودها الأميركيون وتشعر بوطأة أحداث جديدة، كما يقول التقرير، الذي يضيف أنها تعمل على «احتياطات جديدة مرهقة»، فبدلا من التحرك في سيارات عادية باتوا يستخدمون عربات دفع رباعي مدرعة، ويتوجهون إلى مواقع التفتيش في قوافل لا في سيارة منفردة، وحين يرصدون جسما مريبا يتوقفون ويستدعون خبراء مفرقعات من المصريين.
في الوقت نفسه، أكد مسؤولون للوكالة نفسها أن «القوة الدولية محل ترحاب من جانب مصر وإسرائيل برغم أن أسباب كل منهما قد تختلف»؛ فمصر «ترى القوة الدولية جزءا من علاقة سلمية مع إسرائيل ليست على هوى كثير من المصريين لكنها تجلب لهم معونات دفاع أميركية قدرها 1.3 مليار دولار سنويا وتخفف ثقل نزع تسلح مفروض من الخارج على أرض مصرية ذات سيادة». وبالنسبة إلى الإسرائيليين تمثل القوة الدولية مصدر طمأنة إستراتيجيا في ظل تقلب الأنظمة السياسية في القاهرة.
وإذا قرر «ولاية سيناء» في حال ما استهداف هؤلاء، فإنه سيكون أمام 1682 عسكريا من الولايات المتحدة و11 دولة أخرى، يتركز وجودهم قرب الحدود مع إسرائيل، لكنهم نظريا يغطون مساحة تزيد على عشرة آلاف كيلومتر مربع.
(الأخبار)