في أيلول 2004، أجرت إحدى المحطات التلفزيونية الخليجية الخاصة حواراً مع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح روى فيه «قصة حياته». كانت المرّة الأولى التي يتحدث فيها عن تفاصيل خاصة بأسرته وهواياته التي يمارسها وقت الفراغ. قال إنه عاشق لركوب الخيل ولعب البلياردو والبولينغ. وكان صادماً أن يأتي هذا الكلام من عسكري، قبلي، يحكم بلداً من أكثر البلدان فقراً في العالم. لكن ظهر لاحقاً أن هذا «الكلام الجديد» إنما يأتي معبراً لافتتاح حياة حداثية منفتحة على الأسرة، وعتبة مغايرة في طريق الجيش اليمني عمادُها الأبناء. سألته المُحاورة عنهم وكيف أصبحوا ممسكين بمناصب أمنية سيادية عليا وهم في هذه السن الصغيرة، فأجاب بلا تردد: «أنا لا أثق على مستقبل البلاد إلا معهم».

على الفور ظهرت هذه العبارة أنها البرنامج الحواري. إنها الرسالة التي يودّ الرئيس إيصالها إلى المقربين منه قبل غيرهم، أن الأيام المقبلة هي لأحمد نجله، ويحيى وطارق وعمار، أولاد أخيه الشقيق محمد عبد الله صالح.
جاء ذلك التصريح بمثابة تنصّل من جهة الرئيس اليمني لاتفاق كان قد أُبرم بينه، بعد عام من وصوله إلى الحكم، وبين أقارب له من «سنحان» مسقط رأسه، كانوا يمسكون حينها بمفاصل الجيش وكان لهم فضل كبير في إخراجه سالماً من محنة انقلاب الناصريين عليه في بداية حكمه. ووفقاً لصحيفة «حديث المدينة»، فإن ذلك الاتفاق نصّ على تولّي علي محسن الأحمر، القائد الحالي للفرقة الأولى المدرعة، رأس السلطة في حال حدوث أي عارض لصالح، من عجز أو وفاة أو في حال رغبته في التنحّي. كذلك أورد الاتفاق تأكيداً أن الموقّعين عليه من كبار قادة الجيش، هم الأسرة الحاكمة في اليمن، ولكل واحد منهم نسبة معينة في السلطة. كذلك تضمنت الوثيقة بنداً ينص على عدم جواز تولّي الأبناء أيّاً من مواقع الصف الأول، عسكرياً كان أو مدنياً، ويُكتفى بدعمهم مادياً للقيام بأنشطة تجارية وتكوين رؤوس أموال.
بقي صالح محترماً لهذا الاتفاق حتى وقت قريب من عودة أحمد إلى الوطن، بعد فترة اغتراب دراسية ما بين الأردن وأميركا، لم يظهر خلالها أي قدرات لافتة تقول إن بإمكانه تولّي مناصب عليا. ومع أحمد عاد أبناء الأخ الراحل محمد عبد الله صالح تباعاً. وبعودتهم بدأت مرحلة التنصّل من ذلك الاتفاق، إذ رأى صالح أهمية وجودهم على مسافة قريبة منه، وتمكينهم من مساعدته على الإمساك بمفاصل الدولة العسكرية والأمنية. فهو لا يثق، كما قال، بأحد كما يثق بهم. وبناءً على ذلك ترك الاتفاق جانباً، مانحاً الحرس الجمهوري لنجله أحمد، وأعطى الأمن المركزي ليحيى، فيما أعطى الأمن القومي لعمار، نجل يحيي، وكان الحرس الرئاسي الخاص من نصيب طارق، في الوقت الذي أبقى فيه قيادة المحاور الرئيسية كما هي عليه، للإخوة غير الأشقاء والأقارب من أهل «سنحان». فكان علي الجائفي على رأس قوات العمالقة التي أدّت دوراً حاسماً في حرب صيف 1994، محمد صالح الأحمر في قيادة القوات الجوية، محمد علي محسن الأحمر في قيادة المنطقة الشرقية، مهدي مقولة في قيادة المنطقة الغربية، وقبلهم علي محسن الأحمر قائداً للمنطقة الشمالية الغربية والفرقة الأولى المدرعة.
من هنا بدأت مرحلة جديدة في عمر الجيش اليمني، الذي كانت نشأته كمؤسسة وطنية مكوّنة من مختلف فئات الشعب اليمني عمادها الولاء الوطني، لتقع الآن في شراك الفكر المناطقي المعتمد على الانتماء القبلي معياراً صريحاً غير مستتر كما كان في السابق، وخصوصاً في فترة ما قبل حرب صيف 1994.
وتحت هذه المعطيات الجديدة، أعاد أولئك القادة تدوير اتفاق عام 1979 بينهم وبين الرئيس صالح، رغبةً منهم في تحقيق سلامة المركب الذي يحملهم معاً، وما دامت مصالحهم الفعلية لم تمس، بل على العكس من ذلك فقد سمح لهم ما قام به صالح بأن يؤدّوا دورهم، وكل على طريقته؛ اقتحام التجارة من بابها الواسع، المضاربة بكل شيء، بداية من رواتب جنود لا وجود حقيقياً لهم، وليس انتهاءً بأراضي الدولة، وخصوصاً في المحافظات الجنوبية التي صارت أراضيها مشاعاً لهؤلاء القادة يتصرفون فيها كما يشاؤون. وكانت هذه النقطة من أهم الأسباب التي عجّلت في قيام ثورة الحراك الجنوبي، وقبلها أمر تسريح قادة وجنود جنوبيين كثر من السلك العسكري وإحالتهم على التقاعد المبكر.
كل هذا كان بإمكانه أن يمرّ هادئاً لولا أصابع الرئيس صالح، التي كانت تلعب وتخطط شيئاً ما في العتمة، عُرف لاحقاً أنها عملية تمهيد الطريق أمام نجله أحمد كي يصعد وريثاً للحكم بعد أبيه. كان «السنحاني» صالح مدركاً أن العقبة الكبرى التي تقف أمام تحقق هذا المشروع هي اللواء علي محسن الأحمر، المدوّن اسمه على رأس لائحة الانتظار في ولاية العهد. من هنا خطرت برأس صالح فكرة حروب صعدة مع الحوثيين وفتحها كفخ لعلي محسن وفرقته، وهو سيدخلها مدفوعاً بواجب عقائدي سلفي يؤمن به، يقضي بقتال تلك «الفئة الضالة» ذات الفكر الشيعي. شعر الأحمر أنه نجح في غايته عندما تمكّن من قتل حسين بدر الدين الحوثي عام 2004 خلال الحرب الأولى، غير مدرك أن حروباً أخرى ستتوالى على رأسه، وأنها مصنوعة خصوصاً بهدف إحراق قواته أو إرهاقها على أقل تقدير، فيما تبقى قوات الحرس الجمهوري في منطقة بعيدة مطمئنة، وتراقب الحرب الدائرة هناك، في ذات الوقت الذي تؤهّل فيه أفرادها وتنمّي قدراتهم.
لم ينتبه علي محسن إلى هذا الفخ إلا في وقت متأخر، وتحديداً عند ضفاف الحرب الخامسة. حصلت وقتها أكثر من قطيعة بين محسن وصالح، كانت تنتهي بتكوين طبقة جفاء جديدة فوق سابقتها.
بعد ذلك بدأت مرحلة أخرى من تكسير العظام، وذلك عبر إعلان الرئيس صالح لدعوى التشبيب، أي استبدال القادة المتجاوزين للسن القانونية بقادة شباب موالين له ليحلّوا مكان قادة موالين لعلي محسن.
لكن الشعرة التي قصمت ظهر العلاقة بين الرئيس صالح وعلي محسن كانت في العام الماضي، عندما خرجت وثائق «ويكيليكس» إلى العلن، وكانت منها وثيقة تقول إن معلومات خاطئة كانت تصل إلى الطيارين السعوديين من الجانب اليمني في حرب صعدة السادسة لأهداف يجب قصفها، لكنهم في مرة شعروا أن هناك خطأً ما في إحداثيات المكان المطلوب قصفه فلم يفعلوا .تبيّن لاحقاً أن ذلك الموقع لم يكن سوى المقر العام للواء علي محسن الأحمر.
لكن هذا لا ينفي أن الأخير كان من ناحيته يمارس ألعاباً خفيفة مع الرئيس صالح من وقت إلى آخر بغرض إيصال رسائله الخاصة، رغبة منه في تأكيد أنه لا يزال قوياً وموجوداً في دائرة الأحداث ومؤثراً فيها، ومن ضمنها دعمه للجهاديين القدامى، وعلى رأسهم صهره الجنوبي طارق الفضلي، من خلال ما كان يفعله ضمن سياق الحراك الجنوبي.
لكن مع تزايد نفوذ الرئيس وبسطه لسلطته على مفاصل مهمة في الجيش، دخل صالح في حالة شعور بالعظمة جعلته يتمادى في كسب كبار قادة الجيش على أساس الولاء المكتسب عن طريق المال وإطلاق اليد من دون مساءلة، بعيداً عن الانتماء القبلي الذي صار ورقة قديمة بعد ظهور بوادر تمرد عليه من قبائل تحتل مراكز مهمة في كتلة قبائل حاشد التي ينتمي إليها.
عملت هذه السياسة على تفريغ الجيش أو غالبية أركانه من مبدأ الولاء للوطن أو حتى للقائد المباشر، مع اكتشاف الجنود أنهم يذهبون ضحايا في حروب عبثية، لا هدف من ورائها سوى تنفيذ رغبات خاصة في نفس القائد الأعلى، وإدراكهم أنهم مجرد وقود لمعارك هدفها تصفية حسابات شخصية، ممهدة لتمرّد في صفوف هؤلاء الجنود. ظهرت أولى بوادر هذا التمرد مع اشتداد حدّة الرد العسكري على فعاليات الحراك الجنوبي السلمية في جنوب اليمن كما في حرب صعدة الأخيرة.
توازى هذا مع تعمّد صالح الاستئثار بالقرار وركونه في أحسن الأحوال إلى رؤى الأبناء المقيمين في جواره، ما أحدث حالة من الفجوة العميقة بينه وبين كبار المشايخ الذين وجدوا أنفسهم فجأة على الهامش، بعدما كانوا في صدارة مجلس الرئيس. وهكذا بدأ صالح بفقدان روابط حقيقية قوية بأهم القيادات المفصلية في بنيان تلك القبائل التي تكاد تسيطر على معظم المناطق اليمنية المتركزة في عمق الداخل اليمني والأطراف.
وبطبيعة الحال، لم يفوّت علي محسن الأحمر هذه الفرصة الذهبية ليذهب إلى إعادة ترتيب البيت القبلي من الداخل، حاشد على وجه الخصوص. فانطلق في عملية التنسيق مع كبار قيادات حزب الإصلاح، وعلى رأسهم حميد الأحمر، الناقم الأكبر على الرئيس صالح ونجله أحمد، وأعلن صراحة أن على هذا الرئيس واجب الرحيل وتناسي حلم التوريث. كذلك التفت الأحمر إلى رجل الدين الأصولي عبد المجيد الزنداني الراغب في الانتقام لنفسه من سنوات الذل التي عاشها تحت رحمة الرئيس صالح، الذي ما توقف لحظة عن إرهاقه، ملوّحاً في وجهه بمذكرة القبض الصادرة في حقه من الإدارة الأميركية بتسليمه بدعاوى دعمه للإرهاب. وقد ظهرت رغبته الانتقامية واضحة وهو يتحدث إلى قناة «سهيل» الفضائية قائلاً إن على الرئيس صالح واجب الاعتذار إلى الشعب اليمني بدلًا عن الاعتذار إلى الرئيس الأميركي.
دعوة أتت بعد جملة استقالات أعلنها أبناء الشيخ الراحل عبد الله حسين الأحمر، في أعقاب جلسة خاصة جمعت بينهم وبين اللواء علي محسن الأحمر ومعهم عبد المجيد الزنداني، رُفع فيها الغطاء عن الرئيس صالح وطالبوه بضرورة الرحيل بطريقة سلمية حقناً لدماء اليمنيين. وهكذا ضاقت الدائرة على صالح وتُرك عارياً بلا غطاء قبلي تقريباً باستثناء زعماء قبائل من الدرجة الثانية، لا عهد لديهم سوى المال ولا يمكن الوثوق بهم وقت الشدائد.
وأعطت مشاركة الفرقة الأولى المدرعة، ولو جزئياً، في حماية المعتصمين إشارة إلى الاتجاه الذي ستذهب إليه هذه الفرقة إذا ما انفجر الوضع وصار نزولها حتمياً، في وقت اتضحت فيه الرؤية كثيراً بشأن الاتجاهات التي يمكن أن يذهب إليها أركان آخرون في الجيش اليمني، وهو ما ثبتت صحته بإعلان فئات واسعة من ضباط الجيش أمس انضمامها إلى الثورة. وبعدما حسم الجنود المتحررون من أي ولاء أمرهم بالوقوف إلى جانب الثورة، بات انحياز الجنود المحكومين بالقرار القبلي واضحاً بعد موقف القبائل من صالح، واتخاذها القرار بأن وضع خاتمة لحكمه بات مسألة وطنية لا بد منها.




الوريث الغامض

عندما أنهى أحمد علي عبد الله صالح دراسته خارج اليمن، تمكّن من الفوز بسهولة في عام 1997بمقعد في مجلس النواب. وقتها لم يكن الكلام قد بدأ بشأن «التوريث»، ولم يكن ما يجري يشير تجاهه. لكنّ ماكينة الكلام تحركت عندما قرر الرئيس صالح إبعاد أخيه غير الشقيق علي صالح الأحمر عن قيادة الحرس الجمهوري وتعيين نجله بدلاً منه. خطوة أحدثت اعتراضات واسعة قادت إلى محاولة اغتياله في عام 2004 داخل مقر الحرس الجمهوري على يد أحد الضباط. استُغلت هذه الحادثة جيداً من جهة الإعلام الرسمي، بطريقة أظهرت أحمد على هيئة الوارث الشرعي لجمهورية أبيه. تصرّف دفع إلى التنقيب في تاريخ «ابن الرئيس» لتنكشف قصص عن حياة أخرى له في عالم الاستثمار ورجال الأعمال، وأن له يداً في أغلب التحركات التجارية في البلد عن طريق الحصول على نسبة منها.
في العامين الأخيرين ظهر أحمد علي عنصراً أساسياً في اللعبة السياسية في البلد، عبر تكوينه لحكومة ظل تسيّر فعلياً أمور الدولة، ليضع نفسه في موقع مواجه لعلي محسن الأحمر.