صنعاء| منذ صعود علي عبد الله صالح إلى كرسي الحكم، ودخوله القصر الجمهوري في 17 تمّوز 1978حتى اليوم، حرص الرئيس اليمني على وضع رجال الدين دائماً إلى جواره، ومن خلفهم المؤسسات الدينية، على اختلاف مشاربها، متعمداً إشعارهم بحاجته إلى مشورتهم ونصائحهم في مختلف الأمور. لم يكونوا يعلمون وقتها أنه كان في حقيقة الأمر يضعهم في جيبه لاستخدامهم ورقة رابحة في وقت الحاجة عندما تحلّ به محنة ويودّ الخروج منها سليماً بلا أي خسائر. ولم ينكر صالح هذا الأمر، بل أعلنه صراحة في أكثر من مناسبة قبيل انتخابات عام 2006 الرئاسية وبعدها، وذلك عندما قال، في حوار مع فضائية «الجزيرة»، إن الإسلاميين كانوا ورقة استخدمها في الماضي ولم يعد بحاجة إليها.

ويلجأ صالح إلى العلماء في قرارات توجب عليه الحصول على غطاء ديني. ويمكن الاستدلال بواقعة ذهاب صالح إلى مسجد «الشهداء» في صنعاء صباح اليوم التالي لإعلان علي سالم البيض قرار الانفصال أثناء حرب صيف 1994، وذلك لعرض الخطوات التي سيتخذها إثر ذلك القرار وطلبه المشورة من رجال الدين، الذين دعاهم إلى هناك.
لكن بالعودة إلى «خريطة الطريق» التي سار عليها الرئيس اليمني لتثبيت دعامات علاقته برجال الدين واستخدامهم أداة لتسهيل عبوره في مشوار الرئاسة والحكم، نجد أنها بدأت بجماعة الإخوان المسلمين، غير المعلنة وقتها تنظيماً، على الرغم من وجودها الفعلي على الساحة السياسية واستعانة رجال الحكم بعدد من رؤوسها الكبار في معاركهم، مثل الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي (1974 ــ 1977)، قبل أن يتركهم ليذهب ناحية الناصريين.
لكن، حال وصول الرئيس صالح إلى الحكم، أتى بهم إلى جواره ليستخدم عناصرهم الشابة لاحقاً وقوداً في مواجهاته العسكرية ضد المعسكر الاشتراكي المقيم في الشطر الجنوبي في ما عُرف بـ«حروب المناطق الوسطى». وساعد تدخّل «الإخوان» على وقف تمدّد التيار الاشتراكي باتجاه الشطر الشمالي، وإنقاذ صالح من هزيمة مروعة كانت ستؤدي إلى القضاء عليه.
أعلن صالح بعد ذلك تأليف لجنة للحوار الوطني في عام 1981، وهي اللجنة التي ستكون لاحقاً نواة للمؤتمر الشعبي العام الذي ضمّ تحت سقفه كوادر من مختلف أطياف العمل السياسي السري في اليمن، وفي مقدمتهم «الإخوان»، الذين ساعد عدد منهم في صوغ «الميثاق الوطني»، الدستور الفكري للمؤتمر الشعبي العام، وهو ما يفسّر الصبغة الدينية الغالبة على صفحاته.
من هنا بدأ صالح برمي أكثر من طعم لهم، من أجل كسبهم وتأمين نفسه من ناحيتهم، وخصوصاً بعد اكتشافه، عن طريق وشاية من أحد عناصرهم، خلية «إخوانية» كانت على وشك الانقلاب على حكمه، فمكّنهم من إطار تعليمي ديني يدعى «المعاهد العلمية».
استمر هذا الشغل على قدم وساق حتى قيام الوحدة اليمنية في عام 1990 واختيار «الإخوان» الانفصال عن المؤتمر الشعبي العام وتكوينهم حزب «التجمّع اليمني للإصلاح».
مع هذه المرحلة الجديدة، بدأ صالح أول معركة فعلية في مواجهتهم، وذلك عندما حان وقت الاستفتاء على الدستور اليمني الموحّد، وطلب «الإخوان» تعديل المادة الثالثة منه لتقول إن «الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع» بدلاً من «المصدر الأساس». واستطاع صالح كسب المعركة بمعيّة الحزب الاشتراكي اليمني.
ضربة أولى لـ«الإخوان»، تلتها أخرى تمثلت في نجاح ضغط الاشتراكي في مجلس النواب لدمج ميزانية المعاهد العلمية بميزانية وزارة التربية والتعليم، بعدما كانت منفصلة وتقع مهمات الإشراف عليها في يد الإصلاح. ميزانيّة كانت تموّل السعودية جزءاً كبيراً منها، وهو ما كان يتيح لـ«الإخوان» مصدراً كبيراً لتمويل أنشطتهم وتغذية انتشارهم شمالاً وجنوباً.
بعد ذلك، أتت انتخابات 1993 البرلمانية لتصعد بالإصلاح للمرتبة الثانية بعد المؤتمر، فيما أتى الاشتراكي ثالثاً، ودخول عبد المجيد الزنداني عضواً في مجلس الرئاسة. واقع سياسي جديد تزامن مع أزمة ما قبل الحرب، ألزم صالح العودة إلى عقد تحالف مع مشايخ الإصلاح وخطبائهم ليقفوا ضد قادة الحزب الاشتراكي.
ومع وضوح الرؤية وتبيان أن الحرب قد صارت أمراً لا مفر منه، نشر صالح عدداً كبيراً من رجال الدين المنتمين للإصلاح، وفي مقدمتهم عبد المجيد الزنداني، في كل اتجاه، وخصوصاً في معسكرات الجيش، وذلك من أجل تأدية دور تعبوي يتركز في بث خطابات تحريضية وتأليب الجنود لاستعداء الحزب الاشتراكي، مع التركيز على إعطاء فعل الدفاع عن الوحدة صبغة الواجب الديني، بالتوازي مع تمكينهم من قنوات الإعلام الرسمي لاستعادة قصص الاشتراكي وإرثه الماركسي الإلحادي.
ومع اندلاع حرب صيف 1994، أصدر عضو الهيئة العليا للإصلاح، عبد الوهاب الديلمي، فتوى تبيح احتلال الجنوب باسم الدفاع عن الوحدة. فتوى كان لها دور كبير في استثارة تجييش الشمال وكوادر الإصلاح وشبابه، الذين كان عدد كبير منهم قد عاد من أفغانستان وملّ الجلوس بلا عمل.
ونجح صالح في كسب الحرب وإقصاء الاشتراكي. حينها كان لا بد من مكافأة للإصلاح، والزنداني على وجه الخصوص عبر تأسيس «جامعة الإيمان»، التي لا تنطبق عليها معايير أي وزارة للتعليم العالي في العالم.
واستمر الوضع على ما هو عليه بين طرف رجال الزنداني والرئيس. لكن جاءت رياح الحادي عشر من أيلول 2001 بما لا تشتهي جامعة الزنداني، عندما وجد الرئيس صالح نفسه ملزماً بـ«تجفيف» منابع الإرهاب بأمر أميركي مباشر. ووجد الزنداني نفسه مضطراً إلى التخفيف من نشاط جامعته وعدم استقبال طلاب أجانب جدد، إضافة إلى ترحيل نحو 400 طالب أجنبي ملتحقين بها.
بعد ذلك قفز صالح باتجاه المعاهد الدينية وفكك عراها. وقرر، عبر دعم برلماني، إلغاءها وضم كوادرها إلى التعليم النظامي. قشّة قصمت ظهر العلاقة بين الإسلاميين وصالح، لكن هذا لم يمنعه من إعادة استخدامهم وقت الحاجة. تعاظم هذا الاستخدام بعد صدور مذكرة وزارة الخزانة الأميركية عام 2005 ووضع الزنداني في قائمة المطلوبين بتهم تمويل الإرهاب والتهديد بقصف جامعة «الإيمان». هنا التقط صالح الخيط الذي سيمكّنه من اللعب بجميع أطراف هذه المؤسسة الدينية التي يقعد الزنداني على رأسها.
أظهر الرئيس عدم موافقته على تسليم «الشيخ»، متعللاً للأميركيين بأن دستور الجمهورية يمنع تسليم أي مواطن يمني، فيما ابتزّ «المطلوب» وأرغمه على أداء مهمات دعم لا محدودة في جهات شتى، كان أهمها دعمه دعائياً في حربه على جماعة حسين بدر الدين الحوثي. كذلك أرغمه على الوقوف معه في انتخابات 2006 الرئاسية، التي لاقى فيها صالح للمرة الأولى، منافسة حقيقية من طرف مرشح أحزاب اللقاء المشترك.
كل هذا ومؤسسات الدولة تعيش حالة من الارتباك والتردي نتيجة لسياسة فساد وإفساد غير مسبوقين نجحت في وضع اليمن في مصاف الدول الفاشلة. حال أرغمت صالح على العودة مجدداً إلى ورقة رجال الدين، وهذه المرة عن طريق إصداره قراراً جمهورياً قضى بتأليف «لجنة العلماء المرجعية لتقديم النصح والمشورة»، وكأن لا مؤسسات رسمية تقع هذه المهمات في صلب وظيفتها. يعلم صالح جيداً هذا الأمر، لكنه رغب مجدداً في صنع غطاء ديني علّه ينجّيه من الطوفان، الذي بدأ يقترب على هيئة حركات احتجاجية متزايدة يوماً إثر آخر، وفي عموم محافظات الجمهورية.
لكن هذه اللجنة لم تأخذ وقتها، إذ هبّت رياح الثورات العربية من تونس إلى القاهرة لتصل إلى ساحة جامعة صنعاء. حاول صالح بداية السخرية من «شوية العيال» المعتصمين، لكن مع تعقد الأمر مدّ يديه كالعادة إلى خزانة القصر، وأخرج هيئة العلماء منها لعمل مبادرة تضع حداً للتدهور الذي صار يسحبه شيئاً فشيئاً نحو الهاوية. وعندما لم يعجبه ما فعلت هذه الهيئة، استدعى هيئة علمائه الخاصة التي عمدت على الفور إلى تجريم الطرف الثاني وتحميله «تبعات الفتنة التي تحيق باليمن». تصرّف دفع أحزاب المشترك إلى إصدار بيان سخروا فيه من علماء يُسيّرهم الرئيس كيفما شاء.
حدث هذا في وقت لم يدّخر فيه صالح «تنازلاً» إلا فعله، لكن المسافة بينه وبين الشارع والأحزاب كانت قد اتسعت اتساعاً هائلاً، فظهر ضعيفاً كما لم يكن يوماً. إنه وقت الانتقام، وخصوصاً لأولئك العلماء الذين ما ادّخر لهم صالح إهانة إلا فعلها، أقلّها استخدامهم خرقة لتنظيف واجهة أفعاله غير المسؤولة وتبريرها.