بدا العالم وكأنه استمتع أمس بالخلاف العلني بين رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين ورئيسه دميتري مدفيديف. كيف لا وهو خلافٌ يظهر إلى العلن للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، حين كُرّس مبدأ ثنائية الحكم بينهما. أول من أمس، شبّه بوتين قرار الأمم المتحدة الصادر بحق ليبيا بالحملات الصليبية خلال القرون الوسطى. وانتقد العمليات العسكرية قائلاً إن «نظام القذافي ليس ديموقراطياً لكنّ ذلك لا يعطي الدول الأخرى الحق في التدخل بشؤون الدول ذات السيادة»، منتقداً «النزعة الثابتة» للولايات المتحدة التي تقرر بسهولة استخدام القوة على الساحة الدولية.


لم ينتظر مدفيديف كثيراً قبل أن يقرّر الردّ على توأمه في الحكم، فدعا إلى توخّي الحذر في تقويم الوضع في ليبيا، وتجنّب استخدام عبارات مثل «الحملات الصليبية» التي تؤدّي من حيث الجوهر إلى صدام الحضارات، مؤكّداً في الوقت نفسه أنّ روسيا لن ترسل أيّ قوّات إلى ليبيا إذا تحوّلت الحملة الدولية إلى عمليات عسكرية برّيّة. وكتبت صحيفة «فيدوموستي»: «يبدو أن التعليمات التي أعطاها مدفيديف للسماح بتمرير قرار مجلس الأمن الدولي بخصوص ليبيا لا تحظى بتأييد بوتين، الذي يرى أن ذلك القرار مليء بالثغر والعيوب»، فيما عنونت صحيفة «غايزتا. رو» الإلكترونية: «شرخ في الشراكة».
المحلّل السياسي المقرّب من الكرملين غليب بافلوفسكي قال: «رغم إعلان بوتين أن تعليقاته شخصية، ارتكب هفوة سياسية نادرة». وأضاف «يجب أن يؤخذ الردّ الحادّ لمدفيديف بمثابة تذكير بالحاجة إلى الولاء داخل الشراكة، حيث لا يمكن المشاركين فيها خوض حملات انتخابية متنافسة».
خلاف بوتين ـــــ مدفيديف يحمل أكثر من معنى. داخلياً، قد يكون الأمر بمثابة تعبير صادق عن خلاف في الرؤية بين الزعيمين، قد يمهّد إلى صراع حقيقي بينهما على السلطة خلال الانتخابات الرئاسية العام المقبل. لكن هل قرّر بوتين ومدفيديف أن يُخرجا صراعاتهما الداخلية على الملأ فجأة، في ظل التخبّط الذي يشهده العالم؟ علماً بأن غالبية المتابعين للملف الروسي يقرّون بإدراك مدفيديف لدوره المحدّد بأربع سنوات، قبل أن يستعيد بوتين الرئاسة.
على صعيد آخر، يشير الخلاف إلى تخبّط حقيقي في الموقف الروسي من القرار 1973، يميل إلى الرفض بحسب الصحف الروسية. فصحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا» رأت أنّ القرار الذي اتخذه مجلس الأمن يطرح الكثير من التساؤلات حول الشروط التي يجب أن تتوافر لتنفيذ ما يسمّى «العمليات الإنسانية». وأضافت أن الأوضاع الإنسانية في ساحل العاج أسوأ بكثير ممّا هي عليه في ليبيا. وإذا كان المجتمع الدولي قد اتخذ قراره الأخير مدفوعاً بالبطش الذي يمارسه نظام القذافي ضد شعبه، فإن الشيء نفسه يحدث في اليمن والبحرين. وأشارت إلى أن التدخّل العسكري غالباً ما يفاقم المشاكل الإنسانية بدلاً من أن يحـلّها.
رفضٌ يطرح سؤالاً بدهياً: لماذا لم تستخدم روسيا حق النقض الفيتو؟ تقول صحيفة «كومسومولسكايا برافدا» إن روسيا كانت أمام خيارين أفضلهما مرّ؛ فلم يكن باستطاعتها أن تصوّت لمصلحة مشروع القرار إدراكاً منها للعواقب الوخيمة التي ستبدأ بالظهور قريباً، فيما كانت عاجزة عن التصويت ضد مشروع القرار فتعرقله، وتظهر بمظهر الحامي للأنظمة الدكتاتورية.
ما لم تذكره الصحيفة هو عدم رغبة روسيا في تعكير صفو العلاقات الجيّدة التي بدأت تنسجها مع الغرب. ومرّة أخرى يعود وصف البراغماتيّة ليتحكم في طريقة عمل الخارجية الروسية، التي سبق أن عارضت حرب العراق من دون أن تنجح في منعها، وكانت النتيجة تدهوراً في العلاقات الروسية ـــــ الغربية، بحسب المتخصص في الشأن الروسي دميتري ترينين.
صورة اكتملت مع وصول وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس إلى روسيا، بهدف طمأنتها حيال الحملة العسكرية الجارية في ليبيا. وخلال وجوده على متن الطائرة المتوجهة إلى روسيا، امتدح غيتس تعزيز الروابط مع موسكو، مشيراً إلى أن القادة الروس، رغم تحفظاتهم، اختاروا ألّا يستخدموا حقّ النقض ضد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي أجاز العمل العسكري في ليبيا.
وخلال مؤتمر صحافي عقده مع وزير الدفاع الروسي أناتولي سيرديوكوف، قال غيتس إن «بعض الناس في روسيا يصدّقون على ما يبدو أكاذيب الزعيم الليبي معمر القذافي عن سقوط ضحايا مدنيين في ليبيا»، مضيفاً «كنا حريصين للغاية إزاء هذا الأمر. ورغم هذا، يأخذ البعض هنا المعنى الظاهري لمزاعم القذافي عن عدد الضحايا المدنيين التي أرى أنها محض أكاذيب». في المقابل، شدّد سيرديوكوف على أن «وقف إطلاق النار فوراً سيكون أفضل سبيل لحماية المدنيين في ليبيا».
بعد أسبوعين على بدء الغزو الأميركي على العراق، قال بوتين: «مرّ أسبوعان ولم يُعثر على أسلحة دمار شامل. السؤال هو: أين صدام حسين؟ أين هي أسلحة الدمار الشامل، إن وجدت أصلاً؟». كلام بوتين في ذلك الوقت جاء تعبيراً عن رفضه الحرب على العراق. وكلامه أول من أمس عبّر عن الفكرة نفسها، وهذه المرة حيال ليبيا. الفارق الوحيد والأساسي أن أفكار بوتين، وإن كانت تعبيراً عن خوف من تاريخ أميركا العسكري، لن يكون لها تأثير عملي على الأرض. لا يزال الوقت مبكراً على إطفاء مفتاح إعادة تشغيل العلاقات بين البلدين.