«اللاجئون الفلسطينيون هم الذين اُقتلعوا من أرضهم وشُردوا وأسرهم خلال حرب عام 1948». أما أين كان هؤلاء؟ وكيف اكتسبوا الجنسية الفلسطينية؟ ومن أي أرض اقتلعوا؟ فيبدو أن لا أحد في الأنروا يعرف، فكلمة فلسطين لا تذكرها الوكالة أبداً. وباستثناء متن الاسم الرسمي للوكالة، أي «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الأونروا»، لا تذكر الوكالة اسم فلسطين أبداً. اما الأقاليم التي تعمل فيها الأونروا؟ فهي: لبنان، سوريا، الأردن، الضفة الغربية، وقطاع غزة. لا وجود لفلسطين البلد المحتل. ثمة 4.7 ملايين لاجئ مسجلين لديها، ولا تذكر الوكالة الدولية على موقعها الرسمي سبب لجوئهم. كأنهم «اقتلعوا من أرضهم وشرّدوا هم وأسرهم» جراء زلزال أو تسونامي رغم ذكر حرب الـ1948. كأن هذه الحرب لم تكن بين طرفين، طرد أحدهما الآخر من أرضه ليتشتت في المعمورة. منذ فترة، ولمناسبة مرور ستين عاماً على انشاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الاونروا)، بدأت الوكالة بمشروع جديد لنشر «ثقافة السلام بين اللاجئين في المخيمات». المشروع حمل اسم «السلام يبدأ هنا». و«هنا»، حيث تريد الأونروا للسلام أن ينطلق، هو المخيمات الفلسطينية. أما لماذا المخيمات؟ وهل الأمر بهذه البساطة؟ فلا نعرف. ما نعرفه أن الوكالة، وعلى موقع متفرع من موقعها الرسمي www.peacestartshere.org، عرضت عدداً من الأفلام القصيرة عن واقع حياة اللاجئين في المخيمات. الأفلام تُظهر فلسطينيين من مخيمات الدول الأربع التي تعمل بها الوكالة (فلسطين، لبنان، سوريا، الاردن). في كل بلد كان الفيديو يعرض ما يعانيه الفلسطينيون فيه. ففي الضفة الغربية عرضت الوكالة ما يعانيه أبناء الضفة من تدمير لمنازلهم. لكن من يهدّم تلك المنازل؟ بالطبع لن يُذكر الجيش الإسرائيلي فوراً، فالفاعل يبقى غائباً الى آخر الفيلم، إذ يشار إليه في «الجنريك» الذي يمر بسرعة فائقة، حيث كتب «السلطات الاسرائيلية تهدم منازل الفلسطينيين بحجة عدم شرعية البناء.. يُذكر أن استصدار تصاريح للبناء صعب جداً». وقد يقول قائل إن من الجيد «أن يذكر» على الأقل هذا الأمر، خصوصاً أنّ الأونروا تقدم لمن هدم منزله مساعدات مالية رمزية ومساكن مؤقتة. لكن ليتها «أغاثتهم» بالاعتراف بوطنهم الذي ينتظرون العودة اليه. هكذا، أصبح «طبيعياً» ألّا يتطرق أي فلسطيني، في جميع الفيديوهات التي عرضتها الوكالة والتي يبلغ عددها 12، للقول إنه يريد العودة الى فلسطين! ما تظهره المقاطع أن اللاجئين راضون بحالتهم في المخيمات، وأن ما يطلبونه فقط هو تحسين الواقع الاجتماعي الذي يعيشونه! أما من الذي تسبب في هذا الواقع الاجتماعي السيئ؟ نقصد المتسبب الرئيس؟ فمجهول. أضف الى ذلك أن الأفلام أظهرت قدرة اللاجئين على التأقلم مع واقعهم في المخيمات التي يعيشون فيها. وكان المطلوب امتداح حب الحياة، وبالتالي السلام، بدون التطرق الى الوطن. حملة «السلام يبدأ هنا» تضمنت شعارات عدة، جميعها لا يشعر اللاجئون بها او اقله لا يعيشونها في مخيماتهم، مثل :الحقوق المتساوية تصنع السلام، العدل يصنع السلام، الامن يصنع السلام، الكرامة تصنع السلام، التوظيف يصنع السلام، والفرص تصنع السلام. الاونروا التي تريد أن تزرع ثقافة السلام يجب عليها أن تعمل على طرفي النزاع وألّا تحاول أن تقنع من شرد من ارضه بأنه يمكنه أن يصنع سلاماً مع من استولى على ارضه ويقتله كل يوم اكثر من مرة، وبمختلف الطرق، بدون أن يرد له هذا الأخير حقوقه. هذا يسمى نفاقاً. الحملة التي أطلقتها الأونروا سبقتها خطوات عديدة لمحاولة تطبيع العلاقات بين اللاجئين الفلسطينيين والكيان الاسرائيلي، إذ ألغت الوكالة نشيد «فدائي» الوطني الذي كان يردده طلبة مدارسها في الصباح. كذلك «ألغت» حسب حملة عائدون، حصص التاريخ والجغرافيا الفلسطينية من مناهجها، بالاضافة إلى منع اقامة النشاطات الوطنية ذات الطابع السياسي في مدارس الوكالة. أما الانكى من ذلك كله فهو عندما توزع الوكالة خرائط لفلسطين التاريخية على أنها اسرائيل، مكتفية بالإشارة الى الضفة الغربية وقطاع غزة. هكذا، ولهذه الأسباب أطلقت رابطة بيت المقدس لطلبة فلسطين حملة «عائدون» لإعادة تدريس تاريخ فلسطين وجغرافيتها، والعمل على دعم حقوق الطالب الفلسطيني جراء تقليص الأونروا الخدمات التعليمية بالاضافة الى العمل على إعادة النشيد الوطني الفلسطيني في المدارس من خلال طابور الصباح.

انطلقت الفكرة بعدما بدأ تداول الحديث عن تدريس الهولوكوست في مناهج الاونروا من باب حقوق الإنسان.
وهو موضوع لم يعد يمس التلامذة فقط بل طاول الاساتذة أنفسهم الذين سيدرسون هذه المادة. هكذا، ولشرح الرسالة التي فهمها الفلسطينيون، نشرت رابطة الطلاب على ابواب مدارس الاونروا في بيروت بوسترات ضخمة لبان كي مون الأمين العام للامم المتحدة مرتدياً القلنسوة اليهودية وهو يدهن الخريطة الفلسطينية بألوان العلم الإسرائيلي.




اجتمع احمد مزيان مسؤول رابطة بيت المقدس لطلبة فلسطين في منطقة الشمال مع محمود زيدان منسق برنامج حل النزاعات في شمال لبنان في الاونروا. سأل احد الشباب زيدان عن تعليم الهولوكوست في مدارس الاونروا، فردّ الرجل بأنه «لا يمكننا أن ننكر وجود الهولوكوست» ينقل مزيان في اتصال مع «الأخبار»، ويضيف «نعلم أن الاونروا عندما تريد أن تفعل شيئاً فإنها تبدأ بجس نبض الشارع من خلال تسريبات صغيرة». هكذا، وبالنسبة إلى مزيان، الموضوع «لم يعد محو الذاكرة الفلسطينية بل تكريس فكرة الهولوكوست في الوجدان الفلسطيني».