يجتمع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بخصومه السياسيين نهاراً على طاولة حوار واحدة بغية الوصول لاتفاق لتسليم السلطة سلمياً. يتوصل المجتمعون إلى اتفاق يقضي بتنفيذ «خريطة طريق» لهذا التسليم، وعند مجيء الليل يختلي الرئيس صالح بنفسه ليكتشف فجأة أن ما تم الاتفاق عليه إنما هو «انقلاب على الشرعية»، فيبدل رأيه ويطيح ما تم الاتفاق عليه. يمكن أن تلخص هذه الرواية ما جرى خلال الأيام الثلاثة الماضية في اليمن، بعدما تحوّل منزل نائب رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي مسرحاً لاجتماعات مكثفة بين صالح والمعارضة، بحضور السفير الأميركي، بهدف التوصل إلى حل للأزمة التي تواجه اليمن بعد تصاعد الاحتجاجات المطالبة بتنحي صالح.


وآخر الانقلابات التي أتقنها صالح كان أمس عندما اجتمع بأعضاء حزبه في المؤتمر الشعبي العام الحاكم، ليخرج بعدها معلناً أنه يتمسك بالسلطة، داعياً في الوقت نفسه إلى تأليف حكومة جديدة مهمتها صياغة دستور جديد للبلاد على أساس نظام برلماني.
وخلال كلمة ألقاها في افتتاح أعمال الدورة الرابعة للجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام، جدد صالح تأكيد شرعية وجوده في السلطة، قائلاً «أنا أستمد قوتي من الشعب، لا من الدبابة»، متهماً خصومه السياسيين بالتآمر على النظام مع تنظيم «القاعدة». وقال «الآن تشابكت أيدي تنظيم القاعدة والحوثيين واللقاء المشترك ومن خرجوا من الجيش، فهؤلاء كلهم ضد النظام، وضد الأغلبية، لا يقبلون بأغلبية، ولو كانوا يؤمنون بالديموقراطية لذهبنا جميعاً إلى صناديق الاقتراع لنتبادل السلطة سلمياً، ومن كان له وجود أكبر يأخذها، لكنهم يقولون بالحرف الواحد نريد من الرئيس البيان رقم واحد وإعلاناً دستورياً بأن يتنازل ويرحل ويسلم السلطة للقاء المشترك». وأضاف «تعالوا نشكل حكومة ونعدل الدستور، نعدل مواد دستورية، إذا ما أردتم التعددية السياسية»، مضيفاً «لا نريد أن نقصيكم من السلطة، تعالوا معنا إلى السلطة ونبحث مع قانونيين كيف نعدل الدستور بحيث نعمل شراكة كاملة لا أحد يقصي أحداً ولا أحداً يبعد أحداً، لكن التعددية لم تؤمنوا بها».
وتبدّل موقف صالح بعدما تعثرت المساعي لتأمين آليات للانتقال السلمي للسلطة، ضمن مبادرة قائمة على نقل السلطة إلى نائب للرئيس يعيّنه صالح، لا إلى نائبه الحالي عبد ربه منصور هادي، ولا سيما أنه لا يوجد حتى اليوم قرار جمهوري يعترف لهادي بهذا المنصب. كذلك تضمّنت المبادرة تخلي الرئيس علي عبد الله صالح عن صلاحياته خلال ستين يوماً، إلى جانب عدم ملاحقته وأبناءه وأقاربه، وتأليف هيئة وطنية للإشراف على انتقال السلطة.
والمبادرة التي كانت تلبي شروط صالح بالحصول على خروج آمن ومشرف من السلطة، أكد الرئيس اليمني في حديثه مع قناة «العربية»، أول من أمس، صحتها، لكنه كعادته لجأ إلى اتهام المعارضة اليمنية بإفشالها.
كذلك لم ينف صالح المعلومات التي تحدثت عن طرحه، خلال اتصال مع قائد الفرقة الأولى المدرعة، علي محسن الأحمر، التنحي عن السلطة. لكن ما تحفظ على ذكره صالح هو أن المبادرة التي قدّمها في الاتصال الهاتفي، نصت على تنحّيهما معاً وتسليم السلطة لرجل من الجنوب، في محاولة من صالح لتجاوز مبادرات الشيخ حميد الأحمر، الذي قال أكثر من مرة إن الرئيس المقبل لليمن لا بد أن يكون جنوبياً في محاولة لطمأنة الجنوبيين الذين يسعون لفك الارتباط عن الشمال.
كذلك سعى صالح إلى قطع الطريق أمام اللواء علي محسن، الذي لن يجرؤ على انتزاع الرئاسة من شخصية جنوبية. لكن المفاجأة التي لم يكن صالح ينتظرها هي موافقة الأحمر على الاستقالة من منصبه في الجيش مقابل تنحي صالح، ما دفع الأخير للتنصل سريعاً من الاتفاق والاكتفاء بالقول «هذا مجرد حديث في التلفون، أنا أصلاً رئيس دستوري وهو ضابط عادي وموظف بالإمكان إقالته بقرار جمهوري وليست هناك مقارنة ولكن هذا ليس حلاً».
وتمكُّن الرئيس اليمني من استعادة زمام المبادرة السياسية جاء بعدما قدمت له المعارضة على طبق من ذهب نصراً معنوياً، بفشل جمعة الزحف إلى القصر، نتيجة تسرّعها في اتخاذ القرار من دون تنسيق مع الشباب المعتصمين في ساحة التغيير.
وفيما نجح الشباب المعتصمون في إفهام الجميع (المعارضة والسلطة) أن القرار الأول والأخير للتحرك باتجاه القصر يصدر عن المحتجين في الشارع، لا عن بعض الناطقين باسم المعارضة، الذين حاولوا تنصيب أنفسهم متحدثين باسم الثوار ومقررين عنهم، كان الرئيس اليمني يقرأ الخلافات التي أثارها تسرّع أطياف المعارضة بالدعوة إلى جمعة الزحف، فاتخذ قراراً باستباق انطلاق المباحثات مع المعارضة اليمنية، ممثلةً بأحزاب اللقاء المشترك، بحشد مئات الآلاف من أنصاره في ميدان السبعين في عرض للقوة هدف من خلاله إلى إيصال أكثر من رسالة.
الرسالة الأولى كانت خارجية وتحديداً إلى الولايات المتحدة الأميركية التي انخرطت عبر سفيرها في صنعاء، جيرالد فايرستين، في حوارات مكثفة مع ممثلين عن السلطة والمعارضة لتأمين انتقال سلمي للسلطة، تضمن من خلالها عدم الانفلات الأمني في البلاد، وعدم تعزيز نفوذ تنظيم «القاعدة».
وهدف صالح من خلال حشد أنصاره إلى التأكيد للأميركيين مواصلة امتلاكه ومن خلفه حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، القدرة على استقطاب اليمنيين مع ما يضفيه هذا الحشد من «شرعية» على وجوده في السلطة، وهو ما دفعه في حديثه مع العربية إلى القول بثقة «في العالم كله هل يتخلى أحد عن حزبه؟ هل أتخلى عن أنصاري؟ لا يجوز شرعاً ولا يمكن أن أتخلى وقد خرجت لي ملايين تؤيّدني في الشارع»، مضيفاً «أنا لست من النوع الذي يرحل ليبحث عن مسكن في جدة أو أبحث عن مسكن في باريس أو في أوروبا، ولكن أنا سأبحث عن مسكني في مسقط رأسي».
أما الرسالة الثانية، فكانت إلى خصومه السياسيين، من خلال إطلاقه جملة من اللاءات. فهو يرفض تسليم السلطة للمعارضة لعدم منحها أي نصر سياسي في مواجهته، وذلك بعدما اتهمها بأنها تمثّل أقلية بين اليمنيين مستفيداً من عجزها عن تحريك الحشود باتجاه القصر الرئاسي. كذلك يرفض صالح تسليم السلطة لخصمه اللدود علي محسن الأحمر لعدم إعطائه فرصة للوصول إلى سدة الحكم.
أما الأيدي الأمينة التي تحدث عنها صالح لتسليم السلطة، فليست بنظره سوى أحد الأشخاص الذين يثق بهم، وهو ما يفسّر حديث بعض أركان المعارضة عن اشتراط الرئيس اليمني خلال المفاوضات تسليم السلطة لنائب جديد للرئيس يعيّنه صالح، بما يؤمن له الاستمرار في الحياة السياسية، بعدما أوضح الرئيس اليمني أنه «حتى لو قررت وسلمنا السلطة سياسياً سلمياً، سأظل أنا رئيساً للحزب (الحاكم)».
كذلك لم يتخل صالح في حديثه عن سياسة التخويف من المصير الذي سيواجه اليمن بعد رحيله، متوعداً اليمنيين بانقسام بلاده إلى اربعة أشطار، ومواجهة سيناريو صومالي.
ووسط تعثر الحوار بين السلطة والمعارضة، أكد ائتلاف شباب الثورة، ضرورة تخلي صالح الفوري عن السلطة، رافضاً كل ما يطرح من مبادرات تسمح للرئيس اليمني بالبقاء في السلطة.
وفيما أعاد صالح خلط الأوراق، خرج علي محسن الأحمر بدوره ليؤكد أن إسقاط صالح تحوّل إلى مطلب شعبي، مبدياً في الوقت نفسه تخوفه من استغلال الرئيس اليمني لتنظيم القاعدة الموجود في البلاد للتمسك بالسلطة. وأشار إلى أنه اختار الانضمام إلى الثوار بعد استنفاد كل فرص النصح تجاه الرئيس ومحاولة ثنيه عن موقفه، فيما كان أحد معاوني الاحمر، يؤكد أن المفاوضات بشأن انتقال السلطة توقفت ولا يتوقع استئنافها فوراً.
في غضون ذلك، ازدادت الضغوط على صالح أمس بعدما وجه شيخ مشايخ حاشد، صادق الأحمر، نداءً إلى كل اليمنيين لإنقاذ البلاد من الدخول في مستنقع الفتنة، وطالب «من بقي من المشايخ أن يكونوا مع خيارات الشعب ومع مطالب الشباب السلمية»، كما ناشد الأحمر «أبناء القوات المسلحة والأمن الحفاظ على الوطن والمواطنين وعدم تنفيذ أي أوامر لتوجيه سلاحهم ضد أبناء الوطن أو المعتصمين سلمياً أو زملائهم من أفراد القوات المسلحة والأمن».
(الأخبار)