عمّان | لا يزال الاحتقان الكبير ملك الشارع الأردني، لليوم الثالث على التوالي، إثر الأحداث التي شهدها ميدان جمال عبد الناصر في العاصمة عمان، بعد ظهر يوم الجمعة الماضية، عقب تدخُّل قوات الشرطة ومكافحة الشغب لفض اعتصام بدأه «شباب حركة 24 آذار» للمطالبة بإصلاحات سياسية. إصلاحات لم ترقَ بعد إلى شعار إسقاط النظام الملكي، لكنها وصلت لتطالب بإقالة حكومة معروف البخيت


، وقادة الأجهزة الأمنية، نتيجةً لاعتداءات يوم الجمعة التي انتهت بمقتل المواطن خيري جميل سعد.
وإلى جانب مقتل سعد، كان قد أُصيب نحو 200 شخص في المواجهات التي وقعت في الميدان، إثر هجوم من «البلطجية» على المعتصمين، قبل أن تتدخل قوات الأمن لفض الاشتباكات، باستخدام خراطيم المياه والهراوات. غير أن قوى المعارضة اتهمت الأمن بالتواطؤ مع البلطجية، وخصوصاً أنه سبق هجوم الجمعة، اعتداء نفّذه بلطجية أيضاً ليلة الخميس ـــــ الجمعة، حين ألقوا الحجارة على خيام المعتصمين في الميدان، ما أدّى إلى إصابة 50 شخصاً على الأقل، رغم فرض قوات الأمن حاجزاً بشرياً حول المعتصمين.
واستغلت قوى المعارضة تشييع المواطن خيري جميل سعد، لتجديد المطالب بإقالة الحكومة، ومحاكمة قادة الأجهزة الأمنية، وأهمهم مدير دائرة الاستخبارات العامة الفريق محمد الرقاد، ووزير الداخلية سعد هايل السرور.
وتحولت جنازة خيري سعد الى تظاهرة شارك بها الآلاف، من أعضاء «حركة شباب 24 آذار»، وأحزاب المعارضة والنقابات المهنية وقادة الحركة الإسلامية. وهتف المشيعون «بالروح بالدم... نفديك يا شهيد»، و«نام وتهنّى يا شهيد... عن الحق ما منحيد»، و«وهذا الأردن أردننا»، و«الشعب يريد محاكمة القتلى»، كما أعادوا تحميل الأمن العام مسؤولية مقتل خيري، وهتفوا ضد الرقاد، ورئيس الحكومة معروف البخيت: «يا رقاد ويا بخيت، ولّعتوا الشعب بالكبريت». أما المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين، سالم الفلاحات، فقد وجّه كلامه إلى البخيت، بعد تشييع الجثمان، قائلاً إن «اتهام الحركة الإسلامية بأنها مدفوعة من سوريا ومصر، اتهامات عارية من الصحة». وتابع أنّ «مَن يريدون تقسيمنا إلى قومي ووطني، إسلامي ويساري، سيسعون إلى تقسيمنا مستقبلاً إلى فئوي ومناطقي»، محمِّلاً الحكومة مسؤولية هذه السياسة «التي ستعمد إلى إثارة الشباب وتقسيم الأردن، الأمر الذي لن نسمح بحصوله».
وفي السياق، طالب رئيس الدائرة السياسية في حزب جبهة العمل الإسلامي، زكي بن رشيد، باتخاذ إجراءات سريعة للإصلاح، وحذّر من أنه «في حال عدم تحقّق ذلك، فإن كل شخص سيدفع الثمن». ورأى، خلال مشاركته في التشييع، أنّ المسؤول عن قتل المواطن هو «الاستخبارات ورئيس الوزراء والدرك، وهم أدوات قذرة لتنفيذ الجريمة»، مجدداً تضامنه مع شباب حركة 24 آذار، لأنهم «يرسمون صورة البلد الآن».
وكانت عائلة المتوفّى قد رفضت يوم السبت تسلّم الجثة من مستشفى حمزة، قبل الحصول على اعتذار رسمي واستقالة وزير الداخلية. وكان وزير الداخلية قد أعاد التأكيد على الرواية الرسمية حول حالة الوفاة، التي تقول إنها ناتجة من ذبحة صدرية أثناء المشاركة في مسيرة «نداء الوطن»، المناوئة للمعارضة، بينما تفيد رواية أسرته بأنه قُتل إثر تعرضه للضرب الشديد على رأسه بالهراوات، وإضافةً إلى قتل سعد، نقلت قناة «الجزيرة» عن مراسلها أن محتجاً ثانياً توفّي، كما أُلقي شاب قاصر من جسر يقع فوق ميدان عبد الناصر، من ارتفاع 6 أمتار. حتى إن الأسير الأردني المحرر من سجون الاحتلال الإسرائيلي، سلطان العجلوني، تعرض للتنكيل والضرب الشديد من جانب البلطجية الذين كسروا كل ما يمتّ إلى الاعتصام بصلة، وقلبوا سيارة نقل متوسطة كانت تحمل مكبرات الصوت، واستباحوا منطقة الدوار، واحتفلوا بـ «إنجازهم»، حيث قُضي على «الشيعة» و«أهل الفتنة» و«الخونة والعملاء الكذابين»، على حد نعتهم للمعتصمين.
ومن الملاحظ أن الإصابات بين المعتصمين السلميّين جلّها بالرأس، وعجّت المستشفيات المحيطة بالميدان بالجرحى، ومُنع الصحافيون من ممارسة عملهم وتغطية الحدث. أكثر من ذلك، فقد ضُرب العديد من الصحافيين، وحاصرت قوة من الأمن مستشفى الاستقلال القريب من ميدان عبد الناصر، حيث اعتُقل 17 شاباً من المصابين والموجودين في المستشفى.
وتتّهم الحكومة الأردنية، جماعة الإخوان المسلمين بالمسؤولية عما حدث في الميدان. وقال البخيت إن «إخوان الأردن» يتلقّون تعليمات من نظرائهم في مصر وسوريا، محذراً إياهم من «اللعب بالنار».
وتطالب الحركة الإسلامية، وهي القوة المعارِضة الرئيسية في المملكة، بإصلاحات دستورية تحد من صلاحيات الملك في ما يتعلق بتأليف الحكومات، وتصرّ على أن تكون الحكومات في الأردن منتخبة من جانب الشعب مباشرةً. وفي إطار التضييق على المعارضة، تعرّض الموقع الإلكتروني لـ «جبهة العمل الإسلامي»، لعملية قرصنة. وقال الأمين العام للحزب، الشيخ حمزة منصور، «واضح مَن يقف وراء هذه القرصنة. إنها قرصنة رسمية، لأن الشعارات التي رُفعَت، والعبارات التي وُضعت على هذا الموقع، تشير إلى الجهة الرسمية التي تقف وراء هذا العمل». وأضاف «نحن تعوّدنا في الأردن مثل هذه الممارسات والنيل من حق التعبير وحرية الصحافة».
وفي سياق متصل بحالة الاحتقان التي يعيشها الأردن بعد أحداث الميدان، اعتصمت، أمس، في قصر العدل، مجموعة من المحامين المناهضين لقرار مجلس النقابة بوقف الترافع لمدة ساعة احتجاجاً على مهاجمة المعتصمين في الميدان. ورفع المحامون الموالون أعلام الأردن وصور الملك عبد الله، وهتفوا بشعارات مناهضة لمجلس النقابة، مثل «هاشمية هاشمية»، و«عاش الملك»، و«الخاين يطلع برّا»، كما أطلق الموالون أنفسهم، الذين بلغ عددهم نحو 400 محامٍ، هتافات ضد شباب 24 آذار. وشوّش المناهضون لقرار تعليق الترافع، على القائم بأعمال النقابة المحامي سمير خرفان، أثناء محاولته إلقاء كلمة النقابة. وبعد ذلك، تطورت الأمور، واشتبك المحامون داخل قصر العدل، قبل أن تتدخل قوات الأمن لفض الاشتباك.
وبينما عادت الحركة إلى طبيعتها في ميدان جمال عبد الناصر بعد أحداث الجمعة، لا يزال يلاحظ وجود أمني في المنطقة، وذلك خشية عودة شباب حركة 24 آذار للاعتصام مجدداً، وخصوصاً أنه سبق لهم أن أعلنوا، يوم السبت، أنهم سيعودون إلى الاعتصام مجدداً، على قاعدة أن كل ساحات الأردن هي مكان لهم. والحركة التي تضم خليطاً من الإسلاميّين واليساريّين والقوميين، أعلنت عن نفسها عبر موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك»، وتطالب بإصلاحات سياسية ودستورية، وبمحاربة الفاسدين. وأعلنت الحكومة تحويل 21 شخصاً إلى القضاء، وأفرجت عن 16 شخصاً من أعضاء الحركة المذكورة، كانوا قد استُدعوا إلى المراكز الأمنية من المستشفيات.
سياسياً، علّقت «لجنة الحوار الوطني»، التي يرأسها طاهر المصري، عملها إلى أجل غير مسمى، وذلك في أعقاب استقالة 22 عضواً من أعضائها، نتيجة أحداث ميدان جمال عبد الناصر. وبعد هذه الاستقالات، رأى رئيس اللجنة، المصري، أنها «فقدت رونقها وتعدديتها السياسية»، مؤكداً أن ذلك سيؤثر في نتائج عملها.
وكان الملك عبد الله قد منح اللجنة مدة ثلاثة أشهر للخروج بصيغ توافقية لقانون الانتخابات المثير للجدل، وقانون الأحزاب السياسية. وعلى ضوء التطورات الميدانية، طالب عدد من الكتّاب الصحافيين وأعضاء مجلس النواب، بحل اللجنة، لأنه لم يعد لها دور بعد ما جرى.