دمشق| على دفعات، تفد المجموعات الصغيرة إلى الساحة المقابلة للجامع الأموي في قلب دمشق القديمة، من مداخل الساحة الثلاثة. أعمارهم صغيرة. بعضهم يحمل العلم السوري، تلاحقهم عيون الأمن وألسنتهم ... عبر الأجهزة. لم تنته صلاة الجمعة بعد. ينتظر الشباب تمركز كاميرتي التلفزيون السوري ليبدأوا الهتاف «الله، سوريا، بشّار وبس». تتسع رقعة المتفرجين على المتظاهرين. بينهم المتبسّمون، المستغربون، المتحمسون إلى حد الانضمام إلى التظاهرة، واللامبالون الذين يستمرون في طريقهم. أما الأجانب، فيحاولون «دحش» أنفسهم في التظاهرة للعودة إلى بلادهم بصورة عن «الديموقراطية».


ولأن خبرة «الكاميرا مان» أكبر من خبرة المراسلة، «تتفرّج» الأخيرة على المصوّر وهو يأمر المتظاهرين بالتنقل من زاوية إلى أخرى لتتعدّد لقطاته ويختلف أشخاصها.
باب الجامع المفتوح سيقفَل فجأةً، ليُسمع ضجيج لبضع ثوان تُفتح بعدها الأبواب على أمور أكثر من طبيعية. ومع إنهاء المصلين الواجب الديني، يسمح للمتظاهرين بالدخول إلى الجامع، ليلتحق بهم من الداخل عشرات الهاتفين بحب بشار الأسد واستعدادهم للتضحية بالروح والدم فداءً له. هنا صلى الشيوخ أنفسهم الذين يصلون كل يوم. أما في جوامع أخرى، ففوجئ المصلون بشيوخ أفصح في تعظيم النظام السوري، من الكتّاب في صحيفة البعث.
تبقى الأمور «طبيعية» حتى يخرج شاب عشريني، أصلع، يرتدي سترة رياضية بيضاء، يغمز رفيقيه ليصوّراه أثناء تغلغله في التظاهرة. ولا يكاد يصل إلى قلبها حتى يبدأ الهتاف «حرية حرية». يردّدها أول مرة بسلام، لكن قبيل تكرارها تنهال عليه دفعة واحدة عشرات اللكمات و«اللبطات».
يبدو المشهد استثنائياً. ففي خلال بضع ثوانٍ، يقفل باب الجامع، ينزع عناصر الاستخبارات الهواتف للتدقيق في الصور الملتقطة. وتزامناً مع نقله إلى الغرفة المخصصة لـ«المشرف العام» داخل الجامع، يعاد فتح الأبواب. يعلق هاتف أحد رفيقيه لدى الاستخبارات، بينما يتسلّل الرفيق الآخر مع هاتفه بعيداً.
بعد دقائق، يعاد تمثيل المسرحية نفسها خارج الجامع هذه المرة، فيقبض على شاب يحاول تسلق التظاهرة المركبة وأخذها إلى مكان آخر. ويزجّ به في سيارة كانت تنتظر منذ الصباح الباكر راكباً كهذا. وتجدر الإشارة هنا إلى فشل الشبان الذين حاولوا حرف التظاهرات المؤيدة للنظام عن مسارها المرسوم في غرف الاستخبارات، فشلوا في مهمتهم الأولى، وفي الثانية، فلم يستقطبوا أي تضامن شعبي بعد تعرضهم للقمع على مرأى من جميع المواطنين. وكان هؤلاء يعتقدون أن الشعب سيهب لنجدتهم فتكون الثورة المنتظرة.
من الجامع الأموي إلى ساحة المرجة، تقول بعض وسائل الإعلام إن عدد المتظاهرين هناك يتجاوز المئتين. تحتاج المسافة إلى أقل من خمس دقائق سير سريع. وعيون المواطنين والتجار تدل إلى الطريق. خلافاً لما أشاعته وسائل الإعلام، عدد المتظاهرين هناك لم يتجاوز العشرين. أوقفوا داخل موقف للسيارات يطل على ساحة المرجة، بينما كان والد أحد الشبان يتوسل لدى ضابط آخر للإفراج عن ابنه «الذي رفض الامتثال لأوامري وهو لا يعرف ماذا يفعل».
ولا تكاد تستعيد ساحة المرجة أنفاسها كأنّ شيئاً لم يحصل، حتى تصل التظاهرة التي انطلقت من جامع الأمويين، لتتأكد من أن الأمور أكثر من طبيعية. ومع تأكد المعنيين أن معظم التحركات «أندر كونترول» وأنصار «العزة» يعدّون على الأصابع، انتهت مرحلة محاصرة المطالبين بالحرية داخل التظاهرات الصغيرة لعزلهم وتوقيفهم، وبدأت مرحلة جديدة.
دمشق التي تفرغ عادةً يوم الجمعة (وهو يوم العطلة الرسمية في سوريا) حتى من الدمشقيّين، امتلأت بالناس. عشرات الآلاف، أطفال وشباب ومسنّون، نزلوا إلى الطرقات. النساء أكثر من الرجال، والمحجبات أكثر من السافرات. يصعب التصديق أن الاستخبارات أنزلتهم من منازلهم، وأنها تدفعهم إلى التقاتل للفوز بصورة للرئيس السوري بشار الأسد، أو للهتاف من القلب: بالروح بالدم نفديك يا بشار.
المواطن السوري الذي كان يسمع على قنوات «العربية» و«الجزيرة» والـ«بي بي سي العربية» عن تظاهرات معارضة للنظام هنا وهناك، كان يرى من شرفة منزله وشبابيكه الطرقات تغص بالتظاهرات المؤيدة للنظام، التي يمكن القول إنها ابتلعت كل التحركات التي ظهرت أو كان يمكن أن تظهر، على طريقة ابتلاع المتظاهرين المؤيدين للنظام الشابَّ الأصلع المطالب بالحرية في الجامع الأموي. وهكذا تحولت الثورة المنتظرة ضد النظام إلى ثورة مع النظام، فانتصف ليل الجمعة وأصبح السوريون على مسيرات التأييد، التي بدت لامبالية بارتفاع أسعار المشتقات النفطية، الذي يشكو منه معظم السوريّين.
وفي السياق، يعترف المسؤولون السوريون بلجوئهم إلى العنف في قمع بعض التظاهرات الجدية، ولا سيما في محافظة درعا. وبحسب أحد المسؤولين فإن السلطة استجابت لكل المطالب التي رفعها المحتجون في مدينة درعا، وأبلغ المفاوضون من يعنيهم الأمر أن القيادة السورية سترسل وفداً رفيع المستوى للتعزية بالقتلى، اعترافاً منها بالخطأ الذي حصل. وقد «تفرجت» قوات الأمن والاستخبارات على الجنازة التي هتفت لإسقاط النظام ومزّقت صور الرئيس. لكن، بحسب المسؤول السوري نفسه، لم يكن بإمكان القوى الأمنية «التفرج» على اقتحام المشيّعين مراكز الأمن السورية لأن في ذلك سابقة سيتكرر حصولها إن نجحت أول مرة.
ثانياً، «ستتفرج» السلطات السورية على التظاهرات المطلبية كما حصل في حمص (كان المطلب إسقاط المحافظ) وتبحث في وسائل تشتيت المتظاهرين لاحقاً سواء عن طريق الاستجابة لبعض مطالبهم، استقطاب بعضهم وترهيب بعضهم الآخر. ثالثاً، لن تتردد السلطات في إطلاق الرصاص على المطالبين بإسقاط النظام، الذين يحرقون صور الرئيس بشار ويدمّرون تماثيل الرئيس الراحل حافظ الأسد ويحاولون اقتحام المراكز الأمنية والعسكرية لتسليح أنفسهم.
وهكذا مع انتهاء الأسبوع، يكون النظام السوري قد ربح في الامتحان الأول لعبة الشارع عبر تظاهرات التأييد التي يحتاج المعارضون للنظام إلى جهد استثنائي لتنظيم ما يوازيها عدداً، ولا سيما أن الحركات النقابية والعمالية والحزبية وحتى الرياضية، خلافاً لما كانت عليه في مصر وتونس قبيل سقوط نظامي حسني مبارك وزين العابدين بن علي، تؤيّد النظام في سوريا. ويكشف التجوال السريع على مجموعات الفايسبوك وجود انقسام لا تفوّق فيه لطرف على آخر، مع الأخذ بعين الاعتبار أن معظم الأسماء في المجموعات المطالبة بإسقاط النظام السوري هي إما لأشخاص وهميّين أو لمواطنين لبنانيين.
مرّ أول يوم جمعة على النظام السوري بأقل خسائر ممكنة. استعاد أنفاسه في اليومين الماضيين وبدأ إعداد العدّة، على مختلف المستويات، لمواجهة يوم الجمعة المقبل. أما المطالبون بالحرية، فمشتّتون: بعضهم في السجون، البعض مشغول بالبحث عمن هم في السجن، والبعض الآخر يعيد حساباته في ظل موازين القوى التي ظهرت يوم الجمعة الماضي، ومنهم من يخطط لتحرك جديد، علماً بأن المنظّرين للحرية وكتّاب الكتب وفلاسفة الديموقراطية كانوا يوم الجمعة الماضي «يتفرجون» من المقاهي على قناة العربية، هاتفين في قلوبهم: فليسقط النظام. ولاحقاً حين كانت المسيرات تجوب الشوارع، كانوا يرددون بصوت خافت: هؤلاء مرتزقة النظام، بقايا البعث.