عمّان | لا يزال الأردن يعيش حالة من الاحتقان الداخلي، بما أنّ أثر صدامات يوم الجمعة الماضية في ميدان جمال عبد الناصر لم يمت بعد في النفوس.

ويبدو أن الحكومة قرّرت إطلاق مسلسل التضحية برموزها، بدءاً بالاقتصاديّين منهم، لعلّها تهدّئ من غضب الشارع. وفي خطوة وصفها المراقبون بأنها محاولة لتنفيس حالة الاحتقان، وإثبات جدية الحكومة في عملية الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد، قرّر رئيس الوزراء معروف البخيت تحويل ملف قضية دراسات الجدوى الاقتصادية والمالية لمشروع جر مياه الديسي إلى عمان، من صندوق المشاريع التنموية والاستثمارية الخاصة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، إلى محكمة أمن الدولة، باعتبارها جريمة اقتصادية تمس بالأمن الاقتصادي للمملكة.
وتتلخّص وقائع هذه القضية بأنه سبق لمجلس الوزراء أن قرّر، في 2005، تكليف صندوق المشاريع التنموية والاستثمارية الخاصة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، القيام بإعداد دراسة الجدوى الاقتصادية والبيانات المالية المتعلقة بتنفيذ مشروع جر مياه الديسي إلى عمان، وذلك تمهيداً لقيام الصندوق بتنفيذ المشروع.
وبهدف إجراء هذه الدراسات، قام المفوَّض عملية التوقيع عن الصندوق (المهندس أكرم أبو حمدان)، بالتعاقد مع شركة «انفست كورب سيكيوريتر ليميتد»، وهي شركة مسجلة في جزر العذراء البريطانية، لإعداد
دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع، وذلك على مرحلتين: الأولى هي دراسة الجدوى الاقتصادية بمبلغ مليون و950 ألف دولار أميركي، والمرحلة الثانية هي الإشراف على التمويل بمبلغ 60 مليون دولار أميركي، يُدفع منها عشرة ملايين عند بدء المرحلة الثانية، إضافة إلى نسبة 75 في المئة تُدفع كعمولة من القيمة غير المسدَّدة من قيمة التمويل.
وقد قدّمت دراسة الجدوى الاقتصادية والنموذج المالي إلى رئيس الوزراء، الشركةُ المذكورة، التي تعاونت مع شركات دولية أخرى.
وقد قدمت «انفست كورب» مطالبتين للصندوق، واحدة بمبلغ مليون و950 ألف دولار، والثانية بمبلغ عشرة ملايين دولار، دُفعت بالكامل من الصندوق لشركة أخرى هي «مجموعة شاهين للأعمال والاستثمار لوكسمبورغ»، بناءً على طلب مقدِّم المطالبتين، وذلك في حسابها بأحد المصارف السويسرية، كما دفعت مبالغ مالية لشركات أخرى مسانِدة، وذلك بحدود مليون دينار أيضاً.
وبتدقيق هيئة مكافحة الفساد لدراسة الجدوى الاقتصادية والمالية المقدَّمة من تلك الشركة، تبيّن لمحقِّقي الهيئة أنّ المبالغ المتعاقد عليها تتجاوز الحد المعقول ومبالَغ بها، وأن «انفست كورب» هي شركة منشأة حديثاً، ولا تملك الخبرات المطلوبة للقيام بدراسات كهذه، وأنها كانت تتوسّط للقيام بهذه الأعمال من قبل شركات أخرى.
وقد جمعت هيئة مكافحة الفساد الوثائق والبيانات اللازمة، واستمعت للعديد من الشهود والأشخاص من أصحاب العلاقة، منهم أعضاء هيئة الصندوق والموظّفون الماليون.
وبنتيجة ذلك، طلبت الهيئة إحالة ملف هذه القضية إلى محكمة أمن الدولة لمقاضاة الأشخاص أصحاب العلاقة، بتهم استثمار الوظيفة والتزوير وإساءة استعمال السلطة والمس بالأموال العامة.
وهذه أول قضية تُحوَّل من بين مجموعة من القضايا إلى هيئة مكافحة الفساد، ومن المتوقع الانتهاء من العديد من هذه القضايا تباعاً.
ويأتي تحويل هذه القضية إلى محكمة أمن الدولة (وهي محكمة عسكرية)، بعد أيام من توجيه الملك عبد الله الثاني رسالة لرئيس وزرائه معروف البخيت، شدّد فيها على ضرورة «اجتثاث الفساد، وملاحقة الفاسدين وإطاحتهم، وعزلهم».
والمهندس أكرم أبو حمدان ينتمي إلى عشائر بني معروف في الأردن. لذلك استبقت عشيرته صدور قرار إحالته لمحكمة أمن الدولة، بإصدار بيان قالت فيه إنها لن تسمح بأن يكون ابنها كبش فداء لتبييض صفحة الفاسدين في المملكة، متهمةً رئيس الوزراء السابق سمير الرفاعي باستهداف أبو حمدان.