القاهرة | «إنها لحظة تمرّد نادرة». هكذا قال أحد أعضاء مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين تعليقاً على استقالة القيادي البارز عبد المنعم أبو الفتوح من تنظيم الجماعة، أمس، معلناً استقلاله عن أي تنظيم. تصريح يعبّر عن حجم الأزمة التي تعيشها الجماعة منذ فترة، وتتمثل في حالة الغضب المتصاعد من جانب شباب الإخوان ضد قيادات مكتب الإرشاد وأعضاء شورى الجماعة. غضبٌ تجلّى مطلع الأسبوع الماضي في «مؤتمر شباب الإخوان... رؤية من الداخل»، الذي طالب «آباء» التنظيم بالتخلي عن فكرة السرية والكتمان وعدم الانفراد باتخاذ إجراءات مصيرية من دون الرجوع إلى الأعضاء.

هكذا تبدو الجماعة أمام مفترق طرق، بين وقف تمرّد عدد من قيادات الجماعة ممن يحسبون على تيار الإصلاح، ومحاولة احتواء غضب الشباب المتزايد. صدمتان تعرضت لهما الجماعة المعروفة بالتماسك التنظيمي خلال هذا الأسبوع. قد تكون الأقوى استقالة أبو الفتوح، المتوقعة، التي أعلنها في بيان قائلاً: «رأيت أن أجعل الواجب الوطني بنكهته الدينية المصرية البسيطة جلّ اهتمامي، وأعطيه كل جهدي وما بقي من حياتي. وأرى أن ذلك يتطلب مني استقلالاً عن الارتباط بتنظيم معين بعينه، لأنطلق مشاركاً في تجمّع يعبّر تعبيراً جلياً عن روح ثورة 25 يناير وعبقها».
لم يذكر أبو الفتوح، أحد أبرز قيادات الإخوان على مدى ثلاثين عاماً، اسم الجماعة ولو مرة واحدة في بيانه، ما يعني أن الرجل خرج من التنظيم من دون رجعة، رافضاً كل الاتهامات التي وجهها إليه المرشد محمد بديع وعدد من القيادات، خلال الأيام الماضية، بأنه يقف خلف تمرد الشباب. ويعني أيضاً أن «الإصلاحي» قرر المضي في طريق إنشاء حزب «نهضة مصر» مع عدد من قيادات الجماعة أمثال إبراهيم الزعفراني، وخالد داوود، وهيثم أبو خليل، وهي القيادات التي تحظى بقدر كبير من الاحترام داخل قطاع شباب الجماعة.
استقالة أبو الفتوح تحمل أكثر من معنى. فموسم هجرة قيادات الجماعة بدأ بأبو الفتوح ولن يتوقف، وأضحى «الخروج» عن أدبيات التنظيم فكرة كلاسيكية عند الكوادر، والمعنى الأهم أن ترشّح أبو الفتوح لرئاسة الجمهورية بات مؤكداً.
من جهة أخرى، تنتاب المرشد والقيادات حالة من الذعر بعد خروج أمور كثيرة في الجماعة عن السيطرة، فلجأ بديع إلى تذكير الأعضاء بالوفاء بالعهد والالتزام، مطالباً أبو الفتوح بذلك، ومشدداً على أنه لا يعبّر عن الجماعة سوى مرشدها ونوابه والمتحدثين الإعلاميين عنها.
الصدمة الثانية التي تحاول الجماعة التعامل معها هي كبح جماح الشباب الذين شبّوا عن الطوق، وأخذوا ينتقدون أداء القيادات علناً في وسائل الإعلام. وتحدثوا خلال مؤتمر ضخم عن انفراد القيادات بالقرار من دون الرجوع إليهم، مؤكدين أن ثورة 25 يناير لم تكن ثورة على النظام فقط، بل على جميع الأنظمة التي لا تلتفت إلى الرأي الآخر. أمر عدّه محللون نوعاً من التمرد، وخصوصاً أن هذا النوع من المؤتمرات والأطروحات جديد، وخلق حالة من الجدل لم تألفها الجماعة، تتمثل في وجود تيار أو مجموعة ضغط داخل التنظيم في الفترة المقبلة ستفرض على قيادة الجماعة الالتفات إلى آرائهم، وإلا فستتعرض للانشقاق على المدى الطويل.
رغم ذلك، خرجت قيادات الجماعة لتتبرّأ من المؤتمر وتنتقد الدعوة إليه، على اعتبار أنه خروج عن أعراف الجماعة العريقة في التعامل مع قضاياها الداخلية، واكتفت بالقول إن مطالب الشباب محل دراسة، لكن بعيداً عن وسائل الإعلام. كرة النار الآن في ملعب مرشد الإخوان وقيادات مكتب الإرشاد.