صنعاء| لا يزال أمام الثورة الشبابية في اليمن الكثير كي تنقل كيانها من مربعها الأول في ساحة التغيير إلى مساحة جديدة تقترب معها من إطاحة الرئيس اليمني. فعلي عبد الله صالح يقدم فنوناً مختلفة في معركة البقاء الأخيرة، مستفيداً من خبرة 32 عاماً من العيش والرقص مع «الثعابين». هناك من قال، من كبار رجال السياسة اليمنية، لشباب الثورة: «لا تستعجلوا قطف ثمار ثورتكم، فصالح لن يتركها لكم على طبق من فضة قبل أن يذهب، وأول ما ينبغي أن تحرصوا عليه هو وحدة صف الساحة، وعدم السماح للدخلاء بإشاعة الفوضى بين خيامها».


حصل هذا مساء أول من أمس، في لقاء غير رسمي جمع تكتلات مختلفة وتيارات شبابية نشأت داخل «ساحة التغيير»، مع أسماء بارزة في المعارضة اليمنية، حيث تحول اللقاء إلى مساحة لبث الشكوى المتبادلة بين هذا التكتل وذاك التيار. قيل كلام كثير في التطورات التي حصلت في اليومين الأخيرين، وكادت تسبب صدعاً كبيراً بين مختلف التيارات في الساحة، أبرزها الاختراق الكبير الذي أصاب المنصة الكبرى في الساحة مساء الاثنين، وتمثل في صعود أحد «الأمنيين» ليعلن بصفته منتمياً إلى تنظيم «القاعدة» عدم مسؤولية التنظيم عن حادث انفجار مصنع الذخيرة في مدينة أبين أول من أمس.
توقيت مرسوم بذكاء «أمني» شديد الحنكة كأنه يقول إن «ساحة التغيير» قد صارت ملجأً لأفراد تنظيم القاعدة، بما يتوافق مع تصريحات خرجت عن مصدر مسؤول من وزارة الداخلية تتحدث عن رصد عناصر الوزارة لوجود كثيف لمطلوبين من التنظيم داخل «ساحة التغيير».
تكتيك يتطابق أيضاً مع تصريح الرئيس علي عبد الله صالح، في خطابه أول من أمس، عن أن «القاعدة» مدعوم من أحزاب اللقاء المشترك، بهدف إيجاد علاقة تربط بين الشباب المعتصمين وتلك الأحزاب وتنظيم «القاعدة».
كذلك ليس من الصعب إدراك كم هذا الخطاب يلعب على وتر الخوف الغربي من مستقبل تنظيم «القاعدة» في اليمن وشبه الجزيرة العربية بعد رحيل الرئيس صالح، الذي يهدد الغربيين بالفوضى، وقد عمل فعلاً على بثّه في خمس محافظات يمنية حتى الآن. إلا أن الأمر لم ينجح في أكثر من منطقة، حيث استطاع الأهالي تكوين لجان شعبية، وسيطروا على الموقف، باستثناء ما حدث في مصنع الذخيرة في مدينة أبين. وكانت الصورة الأساسية أو الرسالة التي أراد نظام صالح إيصالها هي منظر أفراد، قيل إنهم من «القاعدة»، شوهدوا وهم يتنقلون وسط المدينة بالعربات العسكرية التي نهبوها.
وهناك أمر آخر يجتهد النظام في بثه داخل الساحات المختلفة في المدن اليمنية، وخصوصاً في مدن تعز وإب وعدن وصنعاء، هو إثارة الكلام والبلبلة، عبر عناصره المندسين داخل الخيام، والإيحاء بوجود استياء عام من الشخصيات الدينية والعسكرية التي انضمت حديثاً إلى تأييد مطالب الثورة الشبابية، وبالتحديد رجل الدين الأصولي عبد المجيد الزنداني، ومن بعده اللواء علي محسن الأحمر، والقول إنهم يريدون سرقة الثورة وعكس اتجاهها من المسار السلمي والذهاب بها إلى عسكرتها أو إعطائها صبغة أصولية.
ويركّز المندسون على إشاعة أن هناك تحفظات كبيرة على هذين الشخصين من أفراد جماعة الحوثي، التي لها إشكاليات كبيرة مع اللواء علي محسن بسبب حروب صعدة الست، أو من جهة عبد المجيد الزنداني ونقاط الاختلاف معه التي تقف عائقاً بينه وبين ممثلي التيارات اليسارية ومنظمات المجتمع المدني في اليمن.
وهذه الإشكاليات رُدّ عليها بالقول إن من مصلحة الثورة الشبابية أن ينضم إليها أي راغب في الانضمام دونما تفتيش في نيّاته، ما دام أعلن انضمامه واتخاذه موقفاً رافضاً لممارسات نظام صالح، وصار منادياً بضرورة إسقاطه.
وفي ما يتعلق بهذا الموضوع، أكد مصدر إعلامي في اللقاء المشترك، فضّل عدم ذكر اسمه لـ«الأخبار»، أن من مصلحة الثورة الشبابية أن يكون بين صفوفها حائط أمني على الأقل يستطيع صدّ الهجمات التي تشن عليهم في الساحة من عناصر أمنيين تابعين للسلطات. وأضاف: «هل يلاحظ الشباب الثائرون أنه لم تحصل مهم واقعة اعتداء واحدة، بعد إعلان اللواء علي محسن الأحمر تأييده لمطالبهم؟»، مؤكداً أن الشباب وحدهم يستطيعون الحفاظ على الصفة السلمية لثورتهم، من دون أن يستطيع أحد من خارجها الذهاب بهاً بعيداً عن هذا المسار.
كذلك ركزت أحزاب المشترك أمس على نفي ما أشيع بخصوص محاولتها سرقة الثورة، والأخبار التي سُرِّبت عبر إعلام الحزب الحاكم بنحو ممنهج، بغية إيصال رسالة للشباب تؤكد عدم تحمل قيادة المشترك لجرأة اتخاذ أي خطوات جادة على مستوى الشارع، بسبب خشيتها على حياتها، وأن قيادة المعارضة لطالما عُرفت بالسلبية والتخلف عن مؤازرة المواطن أثناء الفترات العصيبة التي مرّ بها خلال الأزمات الاقتصادية السابقة، التي كانت تحت ضغطها ترفع الحكومة أسعار المواد الأساسية.
كذلك ركزت تلك العملية الإعلامية على قول إن قيادة أحزاب اللقاء المشترك تحاور السلطة بعيداً، من دون أن تتشاور مع القيادة الشبابية، وإنها قد وصلت إلى اتفاقات تسليم السلطة مع صالح، وقفزت فوق الموجة واستطاعت أن تسحب البساط من تحت الشباب. وهو الكلام الذي تكرر أيضاً عبر أكثر من خطاب للرئيس صالح في اليومين السابقين.
وردّ الرئيس الدوري لأحزاب المشترك، ياسين سعيد نعمان، على هذه الأخبار التي لاقت صدى في «ساحة التغيير» وأثّرت سلباً على العلاقة التي كانت قد وصلت إلى مستوى جيد، بإعلان المشترك وقوفه غير المحدود مع «الثورة».
وأكد نعمان أنهم في المشترك لم يُجروا أي حوار مباشر أو غير مباشر مع الحزب الحاكم أو مع من يمثّله. ولخص ما جرى بالقول إن «الرئيس صالح تقدم بمبادرة إلى السفير الأميركي والاتحاد الأوروبي، في الأسبوع الماضي، تتضمن تسليمه سلطاته إلى نائب يُعيَّن (ليس عبد ربه منصور هادي، بل علي محمد مجور، رئيس حكومة تصريف الأعمال)، على أن تؤلَّف حكومة وحدة وطنية».
وفي سياق التأكيد أن مسألة نقل السلطات مسألة لا تخص اللقاء المشترك، لكنها مسألة تخص السلطة، وعليهم أن يتوجهوا بها إلى الشعب، شدد نعمان على أنه «لا حوار يجري تحت الطاولة، وأن الحوار قد توقف توقفاً نهائياً». لكن هذا لا يمنع وجود أشكال أخرى للعمل السياسي. وفي الوقت نفسه، أكد نعمان أن على الشباب أن يعملوا جاهدين على تقديم أنفسهم بما لا يعكس انشقاقاً أو تفرقاً لأصواتهم، لأن من شأن هذا أن يعطي صورة سلبية عن «الثورة التي استطاعت توحيد الشارع اليمني من أقصاه إلى أقصاه».




القناصة

أين ذهب القناصة الذين قُبض عليهم يوم الجمعة الدامي؟ سؤال يتردد بين أوساط الشباب في «ساحة التغيير» في صنعاء، ويزداد في التصاعد مع عدم توقف الرئيس صالح عن اتهام أهالي المنطقة السكنية التي تطل على الساحة بـ«قنص» الشباب، ما نتج منه سقوط نحو 52 قتيلاً. اللجنة الأمنية لـ«ساحة التغيير»، التابعة لشباب من حزب الإصلاح، سجّلت اعترافات موثّقة بالصوت والصورة أثبتت تورط أقارب الرئيس صالح في الحادثة. وعُثر في حوزة المقبوض عليهم على جوازات سفر تحمل تأشيرات صالحة للسفر خارج اليمن، يبدو أنهم استحصلوا عليها من خلال اتفاق بينهم وبين المخططين للعملية. واللافت أن المقبوض عليهم لم يعودوا في الساحة، حيث نُقلوا إلى مكان قريب من الساحة، يرجّح أنه الفرقة المدرعة الأولى التابعة لقيادة اللواء علي محسن الأحمر (الصورة).