دمشق | تزامن قرار الرئيس السوري بشار الأسد، الذي حل فيه الحكومة السورية، مع احتشاد ملايين المواطنين السوريين في ساحات العاصمة دمشق، وعدد من المحافظات الأخرى، ضمن مسيرات تأكيد الولاء وتأييد للرئيس ولسلطته في ظل الأزمة التي تعصف بالبلاد. وتنقل المعارضة السورية عن مصادر موثوقة أن الجهات الحكومية والتعليمية والوزارية فرضت على العاملين والدارسين ضرورة الخروج في هذه المسيرات تحت طائلة المسؤولية، كما سرت عليه العادة في العديد من المسيرات المماثلة.

ومن مفارقات المشهد السوري، أن وزارة الداخلية السورية أكدت قبل أيام في بيان وزعته على وسائل الإعلام الرسمية، ووصل إلى المواطنين السوريين عبر رسائل نصية على هواتفهم المحمولة، «عدم الخروج في مواكب سيارات، أو مسيرات راجلة، وإطلاق الأبواق والألعاب النارية، لأجل راحة المواطنين وسلامتهم»، شاكرة أيضاً مشاعرهم الوطنية الصادقة والمؤيدة للنظام.
تناقضات بالجملة يعيشها الشارع السوري هذه الأيام، بانتظار كلمة الرئيس الأسد اليوم، التي من المتوقع أن تصدر عنها قرارات جديدة «ستسعد الشعب السوري»، حسب ما صرح به نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، في ظهور بدد العديد من الشائعات عن محاولة اغتيال تعرض لها، مع غياب الدور الحقيقي لمجمل وسائل الإعلام العربية والعالمية، وحتى الرسمية السورية، في رصدها لأحداث الأزمة الأخيرة، التي بررتها بعض شخصيات المعارضة السورية بأنها ناتجة من «الجدار الحديدي الذي لا تزال تفرضه أجهزة الأمن المتعددة، بأسلوب وممارسات تشبه إلى حد قريب جداً الجدار الحديدي الذي كان يفرضه ستالين على الاتحاد السوفياتي، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وخلال الحرب الباردة».
هذه المعارضة باتت تقف عاجزة الآن عن الخروج إلى الشارع السوري، للتظاهر أو الاعتصام السلمي، بعدما تعرض الكثير من الناشطين فيها، يوم الجمعة الماضي، لحملة اعتقالات واسعة، والاعتداء بالضرب من عناصر الأمن والأجهزة الاستخبارية. منهم من أفرج عنه بعد ساعات قليلة من إعلان الدكتورة بثينة شعبان في مؤتمرها الصحافي نية السلطة السورية إنهاء العمل بقانون الطوارئ الذي يحكم البلاد منذ عام 1963، وإصدار الرئيس الأسد أوامره الفورية التي تقضي «بعدم التعرض لجميع المتظاهرين سلمياً بالاعتقال أو العنف، والإفراج عن معتقلي الأحداث الأخيرة فوراً».
لكن أجهزة الأمن السورية عادت لتعتقل من أفرجت عنهم، كما حصل مع الإعلامي زاهر عمرين، وزوجته الإعلامية ضحى حسن، بينما بقي مصير الكثير ممن اعتقلوا، الذين يقدر عددهم بالعشرات، مجهولاً حتى الآن، كما هي الحال مع مروان عدوان ابن الكاتب الراحل ممدوح عدوان. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن قانون الطوارئ الذي يمنح أجهزة الأمن صلاحيات مطلقة، لا يزال سارياً في سوريا، وأن الحكومة السورية تصرح بأمور لا تلتزم بها ولا حتى ساعات قليلة.
أمام هذه الممارسات التعسفية والقمعية، التي أسهمت بنحو مضاعف في الحد من عملها الميداني، لم تجد المعارضة السورية أمامها، حتى هذه اللحظة على الأقل، سوى إصدار بعض البيانات التي تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة، كان آخرها بيان «العهد الوطني» في أول رد علني منها على الأحداث الدموية الأخيرة.
وفي القراءة السريعة لمجمل بيانات المعارضة السورية وأهدافها، منذ إعلان ربيع دمشق 2001، وحتى بيان العهد الوطني الآن، نجد أنها لا تطالب بتغيير رأس السلطة السورية، الذي يمثله الرئيس الأسد، بل تتقاطع في ما بينها في المطالبة بإلغاء قانون الطوارئ، وحرية الإعلام، ومنح المواطن السوري مزيداً من الحرية والديموقراطية، وبعض المطالب المدنية الأخرى.
وعلى مدى 11 عاماً، هي فترة حكم بشار الأسد لسوريا، لم تتعامل السلطات السورية بجدية مع أي من مطالب المعارضة السورية، التي باتت تسمى «مطالب الشعب الخدمية»، حسب الرواية الرسمية الآن، ولم تفسح المجال لها في إقامة حوار حقيقي، بل عملت دائما وأبداً، على اعتقال رموزها وناشطيها، لسنوات طويلة، بتهمة واحدة هي «إضعاف الشعور القومي، والإخلال بالأمن العام». أما الآن، على أثر الأزمة التي تكاد تعصف بالبلاد، فأصبحت مطالب المعارضة السورية، هي «مطالب المواطنين المحقة» وتسارع السلطات السورية إلى تنفيذها جميعاً ودفعة واحدة، من دون إعداد مسبق أو دراسة احتمالات هذ الانتقال من الحكم العسكري الذي دام قرابة 50 عاماً، إلى الحكم بالقانون المدني.
أما التأخير بتطبيق الإصلاحات الكثيرة التي وعد بها الرئيس الأسد لدى تسلمه سدة الحكم، فقد عزته جهات سورية رسمية مختلفة إلى الأحداث السياسية غير المتوقعة، مثل أحداث أيلول عام 2001، والاحتلال الأميركي للعراق 2003، واتهام سوريا باغتيال الرئيس رفيق الحريري وغيرها. لكن المعارضة السورية لم تجد مسوغاً مقنعاً لهذا التأخير، وبدأت بعض المقولات تتردد في أجوائها الآن «هل كان من المبرر بحق أن يسقط العشرات من أبناء سوريا شهداء حتى تسارع الحكومة إلى تطبيق هذه الإصلاحات؟ لماذا بقي غائباً عن ذهن رجالات الحكم كافة أنه سيأتي موعد محدد لإلغاء قانون الطوارئ وكأنه سيبقى معمولاً به إلى الأبد كما هي حال الحكم في سوريا؟». حتى الآن لم تكشف المعارضة السورية عن أوراقها كاملة، كما أخبرنا العديد من نشطائها، لكن لا بد من التهدئة الآن، فنبض الشارع لا يحتمل الدخول في تظاهرات مؤيدة ومعارضة في الوقت نفسه، وإلا فسيدخل جميع النشطاء إلى معتقلات الأمن السوري دفعة واحدة.