باريس | عندما تحركت ثورة الكرامة، كان زخم الاهتمام الإعلامي يتصاعد رويداً رويداً، والاهتمام يدور حول الجالية التونسية في فرنسا، وكانت التهانئ توجه إليها والتعاطف يصبّ نحوها. عندما تحركت الثورة في مصر، كان الاهتمام الإعلامي منصباً على «مصير اتفاقية السلام مع إسرائيل»، ويطال بنحو غير مباشر تأثير الثورة على نظام التحالفات الغربية في المنطقة، وخصوصاً بالنسبة إلى المسألة الفلسطينية.


وفي سياق الثورتين، ووصول لهب الانتفاضات العربية إلى اليمن وعُمان والبحرين، مع لفحة طالت السعودية، كان الإعلام يقحم تساؤلات عن «الوضع في سوريا»، حتى قبل أن تتحرك جموع درعا وقبل أن يرتفع منسوب التعاطي بالشأن السوري على صفحات المواقع الاجتماعية عن مستواه «الطبيعي».
ما إن تطورت الأوضاع في سوريا، حتى تغيرت المعالجة، وانتقل التحليل من باب إلى آخر، وبان أن مجمل الإعلام الغربي تنفس الصعداء؛ إذ إن «ربيع العرب» لم يعد يستهدف فقط الأنظمة المقربة للغرب، وهو ما كان يسبب لأي معالجة إرباكاً ويتطلب «ذكر سوريا وإيران وحزب الله وحماس» فيها. يضاف إلى ذلك أن عدداً متزايداً من المواقع «الإعلامية الخاصة» دخل جولة التحليلات والتوقعات.
إلا أن الحالة السورية تقود دوائر القرار نحو «مأزق من نوع آخر» لأسباب متعددة ومتنوعة، يأتي في مقدمتها لبنان وانعكاسات الحالة السورية على الوضع في لبنان «المعقد أصلاً»، كما قال لـ«الأخبار» مصدر مقرب جداً من دوائر القرار. إلى جانب ذلك، ثمة عوامل تتعلق بالعلاقات السورية الفرنسية البحتة التي أخذت منحنى متطوراً منذ ثلاث سنوات بقيادة الرئيس نيكولا ساركوزي، الذي تتهمه بعض الأوساط بأنه «أخرج دمشق من عزلتها» وقاد معها عملية على خطين، واحد يصبّ في بلاد الأرز، وآخر في تركيا، حيث كان وراء إطلاق حلقة مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل.
يقول المصدر في إطار تحليلي إن الدوائر الفرنسية تطرح على نفسها السؤال الآتي: «هل يحمل النظام السوري استراتيجية خروج حقيقية، أم أنه يراوغ؟»؛ إذ حسب معلومات متراكمة، ترى باريس وجود «صراع في دمشق بين قطبين»، قطب يمثله بشار الأسد «الذي خسر الجولة الأولى» في تذكير لما بدأ به في بداية عهده، وقطب آخر «يمثله قدامى النظام والمستفيدون منه». ويتابع بأن «الربيع العربي اليوم في سوريا يدفع نحو الجولة الثانية». وترى الدوائر الفرنسية أن «شباب سوريا المتعلم والمنفتح والمرتبط بشبكة التواصل مع العالم»، مثله مثل شباب تونس ومصر، يبحث عن الحرية والعمل. وأضاف أنه بعيد جداً عن «المعارضة التاريخية». ولم يتردد المصدر في وصف ما يحصل بأنه «تسونامي يمكن أن يأخذ في طريقه المعارضة الكلاسيكية والنظام القائم»، إذا لم يتدارك هذا الأخير الوضع بسرعة.
ورداً على السؤال «كيف ترى فرنسا خروج النظام من الأزمة؟»، أكد المصدر، «بصورة شخصية» حسب قوله، أن مصلحة فرنسا «هي في وجود نظام مستقر يلبي طموحات الأجيال الجديدة، شرط أن لا يكون قائماً على مبدأ ريعي ينخر الاقتصاد، وألا يعتمد على الإرهاب لفرض سيطرته». ويرفض المصدر على نحو حاسم اعتبار «أن التاريخ مكتوب لنظام الأسد اليوم»، ويقول بإمكان الإصلاح «شرط عدم الانتظار» خوفاً من استفحال الأمور. ويتوسع بالشرح «وتقديم نصيحة» بقوله إن أمام النظام السوري حلين لا ثالث لهما: الأول يقضي إجراء إصلاحات «مع إمكان الوقوع في شباك مطالب متتابعة تزداد مع كل تنازل، لكن مع إمكان الخروج من النفق». أما الحل الثاني «فيكون على الطريقة الإيرانية»، أي حسم عسكري «يمكن أن يقود إما إلى ما وصلت إليه الأمور في ليبيا» أو إلى «تأجيل حسم لا بد منه»، والسبيلان يقودان إلى نهاية النظام.
بالطبع، لا يرى المحللون أن انفجار الوضع في سوريا هو من الأخبار السارة لباريس ولساركوزي خصوصاً؛ فالتصرف مع الحالة السورية يختلف تماماً مع الحالة الليبية، ومن الصعب جداً على ساركوزي أن «يقود حملة عالمية» للتصدي للنظام السوري؛ لأن الموقع الاستراتيجي لسوريا يجعل من أي تدخل عسكري مباشر أو غير مباشر نوعاً من «إشعال المنطقة» بما يتجاوز الحدود السورية، وينعكس مباشرة على الصراع العربي الاسرائيلي بنحو مروع، وهو ما دفع وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه أمس إلى القول إن بلاده تدين لجوء السلطات السورية إلى العنف لقمع التظاهرات الاحتجاجية، لكنها تعتبر «أننا لم نبلغ بعد مرحلة درس فرض عقوبات أو قرارات» في مجلس الأمن.
ويشرح دبلوماسي عربي قائلاً إن الدول الغربية ترى في نظام الأسد ضمانة لتقدم في العملية السلمية مواز للضمانة التي تقدمها المملكة السعودية لاستقرار المنطقة. ويضيف أنه كما هو مطلوب من الرياض إصلاحات لكتم التذمر الذي بدأ في الشهر الماضي، المطلوب من دمشق أيضاً إصلاح يذهب في سياق ما يطلبه شباب الربيع العربي.