دمشق ــ الأخبار

تظفر أصابعه بالسيجارة كأنها القلم الذي يكتب فيه. هو ما زال يكتب بالقلم. يقول إن الورقة تُشعره بصدقيته وقدسية العمل الذي يقوم به. ثم إن الإنترنت، كما تناهى إليه، مليء بالفيروسات. وهو منذ طفولته حتى بلوغه الخامسة والستين، يحذر الفيروسات لكرهه المستشفيات. في المناسبة، للعمر أهمية كبيرة، تقتضي التذكير به كل بضع دقائق للدلالة على أهميته وعمق خبرته. كفّه الناعمة في إطلالته الأولى ستتحول خشنة حين يبدأ التلويح بالوعيد و«التخبيط» على الطاولة، تهديداً.
فهم أمس أن الشارع الذي تحرك تأييداً للرئيس بشار الأسد إنما يؤيّده هو شخصياً. وبصفته أحد المثقفين القريبين من النظام، كان لا بد من أن يقدم قراءته لما بين السطور الشعبية. وهو الغني بالمعلومات، يعرف حقيقة الجميع: هذا المعارض مجنون، تلك عاهرة وذلك طردناه من وظيفته لأسباب مهنية فبدأ العمل السياسي. أما تلك التي ذاع خبر اعتقالها، وهي برأيه مختلة، فاختبأت في منزلها لتثير بلبلة في الإعلام. أما زميلتها فكانت إيجابية جداً في إطلالتها الأولى وحديثها عن ضرورة الإصلاح، لكنها في المرة الثانية تورطت في مشاريع مشبوهة ونزلت إلى جامع الأمويين برفقة مصورين لتثير الفتنة، فكان لا بد من اعتقالها. وللمناسبة، لا داعي للبلبلة الإعلامية بشأن بعض الاستدعاءات والتوقيفات. فالشباب يستقبلون الشباب لسؤالهم عن مصادر تمويلهم وأهدافهم المخفاة، بهدف تكوين صورة واضحة عن المخطط الخارجي، ثم يطلقون سراحهم.
غريب كيف يكتفي بالسيجارة الصغيرة وببعض البيرة وقليل من الطعام. بحكم موقعه، يفترض أنه المعني الأول بالسهر على صورة سوريا ونظامها. في سوريا التي يتحدث عنها، هناك حرية إعلامية: ما على الصحافي الأجنبي أو المحلي إلا زيارة وزارة الإعلام لإعلامها بالموضوع الذي ينوي الخوض فيه، وسيجري الموظفون في الوزارة كل الاتصالات اللازمة بالمعنيين بالموضوع، حتى إنهم سيطرحون على من ينوي الصحافي محاورتهم الأسئلة ويعودون إليه بالأجوبة. وقد أثبتت وسائل الإعلام المرئي والمسموع من لبنان إلى العالم، افتقادها الصدقية. فهو كان جاهزاً لأن يأخذ بسيارته الخاصة الإعلاميين إلى درعا ليريهم «الخراب الذي سبّبته العصابات»، لكنّ الإعلام الساعي إلى الفتنة، برأيه طبعاً، يريد تضخيم جزء بسيط جداً من الرواية العامة. وبسبب عدم موضوعية هؤلاء، لن نسهّل لهم عملهم الذي يخدم الفتنة.
ثم، يتذكر الأستاذ، كيف للبنانيين أن يسائلوه عن حرية الإعلام في سوريا، بعدما دمر الإعلام اللبناني بنية الدولة بإساءته إلى رؤساء الجمهورية وتعرضه لكرامات المسؤولين. «يخبط» على الطاولة جازماً: أنتم خير نموذج عن ضرورة رسم حدود للصحافة.
لا يُملّ منه، فيه كل خصائص الكاريكاتور لمسؤول: في سوريا، هناك موالاة وبالطبع هناك معارضة. فحزب البعث برأيه هو المعارض الأول، وبلغة صارخة يخطب في الجالسين حوله: داخل الاجتماعات البعثية، تحصل النقاشات الصاخبة وتتصارع وجهات النظر ويحاكم الفاسدون. في أي دولة ينتحر رئيس حكومة لخشيته من انفضاح فساده؟ وفي أي دولة يزج بالوزراء الفاسدين في السجن؟
يكاد المحيطون به أن يصفّقوا. الأستاذ الفهيم، العليم، المطّلع والمتنور ينتصب طويلاً جداً كالإله وسط زملاء يرون فوق جبينه إشعاع عظمة النظام السوري. يشرب كأس الانتصار. بالنسبة إليه تظاهرات التأييد أمس لبشار الأسد، انتصار له. وهنا الكارثة.