الفوضى لن تكون البديل في اليمن

اللقاء المشترك جزء من قوى التغيير
لا حوار مع صالح والحلّ برحيله

أتت رئاسة الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني ياسين سعيد نعمان لأحزاب اللقاء المشترك المعارضة في مرحلة دخل فيها اليمن جغرافيا الثورات العربية، ما جعل البلاد أمام احتمالات مفتوحة، سعى الأخير إلى توضيح أن الآتي من الاحتمالات سيكون أفضل

في خطابه الأخير، قال الرئيس اليمني إن الفوضى هي الخيار البديل لرحيله عن السلطة.
ـــــ أعتقد أن هذه الأنظمة المستبدة تصنع لنفسها البديل وهي حاضرة، بمعنى أنها وهي تحكم تصنع الفوضى والصراعات الاجتماعية كبديل. ومن خلال التجربة التي شهدناها، سواء في مصر أو تونس، رأينا كيف انسحبت الدولة وحلت الفوضى بديلاً، لولا أن تدخل الجيش في ما بعد. في ليبيا حدث الشيء نفسه، وفي اليمن مع بدء خروج الناس والشعب إلى الشارع، بدأ النظام يمارس كثيراً من مظاهر الفوضى باستخدام البلطجية، وهو يشيع الخوف والذعر بين الناس، قائلاً إن البديل سيكون الفوضى. لكن في اليمن لم تكن الفوضى هي البديل، رغم ما صنعه النظام من أدوات لهذه الفوضى، وأعتقد أنه بمجرد رحيل هذا النظام سيتمكن الناس والشعب والقوى السياسية والاجتماعية من إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، وسيكون الوضع أفضل مما كان عليه في ظل هذا النظام.

في خطابه الأخير أيضاً لمّح صالح إلى أنه في طريقه إلى إلغاء التعددية السياسية
ـــــ لقد ظل هذا النظام بعد حرب 1994 يضع العقبات أمام نجاح التعددية السياسية الديموقراطية، وكان هذا بهدف أن يوصل الناس إلى الاقتناع بأن الديموقراطية والتعددية لا مكان لها في البلد، وأنها ليست الأداة المناسبة لحكم اليمن. لكن ماذا حدث؟ في الوقت الذي وضع فيه الديموقراطية في مأزق وأوصلها إلى نهايات محزنة كما حصل في تزويره للانتخابات، جاء البديل في خروج الناس إلى الشارع لإيجاد حل سياسي لهذه الأوضاع. وهذه كانت خيارات كل الأنظمة المستبدة في الوطن العربي، يناورون بالديموقراطية وبانتخابات مزيفة حتى أوصلوا الناس إلى أن هذه الخيارات، بالنحو الذي تمارس فيه، ليست الطريق الذي يبحثون عنه، فخرج التونسيون والمصريون إلى الشارع وغيّروا النظام، واليوم تجري هذه الممارسة الحقيقية الفعلية من الشعوب بأدواتها السلمية لتغيير الأنظمة التي نراها اليوم في الساحات اليمنية.

لكن صالح قال إنكم تريدون أن تصلوا إلى السلطة من طريق جماجم الشباب؟
ـــــ المؤسف أن يتحدث هذا النظام بهذا المنطق. في الوقت الذي يقتل فيه الشباب في الساحات بدم بارد، يأتي ليتحدث بعد ذلك عن القوى السياسية التي تريد الوصول إلى السلطة من طريق الجماجم. من الذي أطلق الرصاص وألقى القنابل في عدن وفي تعز والبيضاء والحديدة وصنعاء على المعتصمين الشباب؟ أعتقد أن المشكلة اليوم ليست كما يصورها النظام بأن هناك قوى سياسية تريد أن تصل إلى السلطة. المشكلة اليوم ليست بينه وبين هذه القوى. عليه أن يفهم تماماً أن المشكلة بينه وبين الشعب، فعليه أن يُغيّر من خطابه السياسي كنظام ليعترف بأن المشكلة اليوم مع شعب خرج إلى الساحات ليقدم التضحيات لبناء مستقبله، ولم يعد مقبولاً أن يتحدث عن خصوم سياسين يريدون أن يصلوا إلى السلطة.

ماذا لو تحدثنا عن سر التصعيد الأخير في خطاب الرئيس صالح، هل يأتي في اعتقادكم من مصدر قوة أم من شيء أخر؟
ـــــ أعتقد أن النظام يعيش حالة ارتباك ولم يعد يستطيع أن يقدم أجوبة لأسئلة اللحظة الراهنة. يهدد بأن البلد سيتقسم بعده إلى أربعة أقسام، أو أن «اليمن قنبلة موقوتة». المؤسف أن يصدر هذا الخطاب عن رأس النظام وكأنه جلس في الحكم طوال 33 عاماً كي يصنع هذه القنبلة الموقوتة كي تنفجر من بعده. أعتقد أن هذا الخطاب فيه الكثير من الارتباك وأراد أن يخوّف به العالم. والشيء نفسه في تخويف العالم من الإرهاب الذي جرى توظيفه. هذا التوظيف الذي أظهر اليمن كما لو كان بؤرة للإرهاب أو قنبلة موقوتة ستنفجر بمجرد رحيل الرئيس.
أعتقد أن اليمن في أي حال من الأحوال سيكون أفضل مما هو عليه وسيكون أكثر وحدة مما هو عليه في ظل هذا النظام، ومسألة تفكيك البلد كما تحدث الرئيس هي مجرد إسقاط للسياسات التي مارسها في الفترة السابقة. اليمن سيكون أكثر أمناً للعالم والمحيط. وأعتقد أن الحل في رحيله.

نفهم من هذا أن مسار الحوار بينكم وبين الرئيس صالح قد توقف؟
ـــــ أحب أولاً أن أوضح هذه النقطة، وقد قلت هذا الكلام سابقاً. لم يكن بيننا أي حوار من الأساس في الفترة الأخيرة.

وما جرى من لقاءات في منزل نائب رئيس الجمهورية؟
ـــــ لا. هي كانت مبادرة مقدمة من الرئيس للسفير الأميركي في صنعاء والاتحاد الأوروبي، تقضي بانتقال سلس للسلطة ونقل صلاحيات الرئيس لنائبه، الذي قال إنه سيكون رئيس حكومة تصريف الأعمال الحالي علي مجور، وعُرضت هذه المبادرة علينا. أي لا حوار كان قائماً بيننا.

قيل إن نزول الشباب إلى الشارع لم يكن إلا نتيجة لفشل المشترك؟
ـــــ ليس فشل المشترك، بل فشل العملية السياسية التقليدية، وكان المشترك طرفاً في هذه العملية. فللعملية السياسية التقليدية أدواتها المعروفة: انتخابات وديموقرطية. النظام أفشلها وانقلب عليها في نهاية المطاف. نعترف، في هذا التحليل بأننا كنا جزءاً من هذه العملية السياسية التقليدية التي لم يكن لنا من خيار غيرها. لكن الذي أوصلنا إلى الفشل هو النظام وممارسته وانقلابه على العملية الديموقراطية برمتها. بعد ذلك خرج الشباب وخرج الناس بحثاً عن طريق آخر. وأعتقد أن هذا الطريق الآخر فرضته ظروف يأتي في مقدمتها إفشال العملية الديموقراطية من النظام وإدخالها في طريق مسدود.

لكن أين المشترك الآن بعد نزول الشباب إلى الشارع؟ ما هي الأدوات الجديدة التي سيتعامل بها في ضوء فشل الأدوات السياسية التقليدية السابقة؟
ـــــ الآن هناك حالة ثورية في البلد، لكن يجب أن يكون لهذه الحالة الثورية أدواتها السياسية أيضاً وأن تنتج هذه الأدوات. من الضروري بمكان أن تملأ الفراغ بأدوات سياسية تخدم هذه الحالة وتخدم أهدافها، لا يمكن أن تقع حالة ثورية بدون أدوات سياسية. نحن في اللقاء المشترك نعدّ أنفسنا جزءاً من قوى التغيير في اللحظة الراهنة، لكن نشعر بأن الأدوات السياسية التقليدية التي كنا نمارس بها العمل السياسي، لم تعد صالحة في اللحظة الراهنة لإحداث عملية التغيير، لذلك لا بد من إيجاد ائتلاف وطني واسع لعملية التغيير بأدوات سياسية جديدة تخدم هذه الحالة الثورية وتخدم أهدافها. هذا من جانب، ومن جانب آخر سيظل اللقاء المشترك، أحزاباً وقوة معارضة، مسؤولاً أمام الشركاء الدوليين وأمام المجتمع الدولي في العمل السياسي، لكن عليه أن يعي تماماً أن هذا الحضور يجب أن لا يُغيّب ساحات الشباب. هذا الحضور يجب أن يكون شفافاً إلى درجة تظل معها ساحات الشباب وساحات الثورة حاضرة بأهدافها وحاضرة بمواقفها وبخطابها. هي عملية في تقديري معقدة قليلاً، لكن اللقاء المشترك ما دام حاضراً لا بد أن يستوعب هذه المسألة استيعاباً جيداً.

هل وصلتم إلى صيغة أولية لهذا الائتلاف الوطني؟
ـــــ نعم، هناك معطيات وتكوينات حاضرة، لكن ما هي الآلية التي يمكن أن نصل بها إلى هذا التكوين؟ الشرطان الأساسيان لتكوين هذا الائتلاف.

هل بدأ النقاش فعلاً في المشترك بشأن هذا الائتلاف؟
ـــــ نعم، بدأ النقاش من فترة مبكرة. منذ نحو أسبوعين أو ثلاثة. ونحن نسير فيه جيداً من خلال الحوار مع قوى الحراك الجنوبي وجماعة الحوثي وكافة القوى السياسية المعارضة في الخارج، وكذلك مع القوى التي أعلنت انضمامها إلى الثورة، بما في ذلك كتلة الأحرار في مجلس النواب.

تقصدون المنشقين عن حزب المؤتمر؟
ـــــ لا أقول منشقين، بل أقول كتلة المستقلين التي غادرت حزب المؤتمر والقوى الأخرى التي أعلنت انضمامها إلى الثورة.

ما مدى تواصلكم مع هذه الكتلة التي غادرت حزب المؤتمر؟
ـــــ اسمح لي بأن أقول إن هناك قوة ألغت الجميع. بدأت بإلغاء المؤتمر ومؤسسات الدولة والأحزاب، وهي القوة المهيمنة اليوم. بالقدر الذي تشعر فيه الأحزاب المعارضة بالغبن أستطيع أن أقول إنه الغبن نفسه الذي يعيشه شرفاء كثر في المؤتمر ويعيشون الهيمنة نفسها، ولا بد من مد أيادينا إليهم للمشاركة معاً في إنقاذ هذا البلد. لهذا، نقدر كل هؤلاء الذين انضموا إلى التغيير رغم التخويف الصادر عن النظام.

تقصدون الكلام الذي صدر عن الرئيس أنه ليس وحده المقصود بالتغيير، بل كل أعضاء المؤتمر؟
ـــــ بالضبط، هذا كلام لا معنى له أبداً. نحن نشعر بأن على الجميع أن يكونوا حاضرين وأن نتخلص من إرث الماضي ومنطق الاجتثاث. لا بد من أن يُبنى اليمن اليوم على التصالح والتسامح في إطار وطني حقيقي بهدف تدعيم عملية التغيير، وبالتالي بناء الدولة التي تستوعب الجميع. وموضوع الاجتثاث ليس حاضراً في الذهن ولا ينبغي أن يكون كذلك، هو حاضر فقط في ذهن من يمارسونه.

ماذا عما طرحه الرئيس في مبادرته الأخيرة بشأن نقل صلاحياته لنائب من الجنوب؟
ـــــ هذا كلام لا يعنينا من قريب أو بعيد. ليمنح صلاحياته لمن يشاء. أعتقد أن مشكلة المواطنين ليست في أن يأتي هذا أو ذاك من المحافظات الجنوبية أو من الشمالية. مشكلة الناس في إيجاد دولة لا مركزية تلبي طموحاتهم وتستوعب كل أبناء اليمن.




يرفض نعمان اعتبار أن ما يحدث اليوم قد خفف من حراك القضية الجنوبية. فالثورة الشبابية اليوم قد أنتجت مفاهيم جديدة صنعها شباب. التضحيات والقتلى الذين سقطوا جميعهم من مختلف المناطق. صار الهمّ مشتركاً والجميع يعيشون اليوم الوضع نفسه وصاروا منخرطين في تأسيس اليمن الجديد.