يكتب بعض مناصري حزب النهضة الإسلامي التونسي في منتديات إلكترونية عدّة أنّ السلطة، في أيام حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، كانت تلاحقهم وتضطهدهم بناءً على طلب أميركي. فالولايات المتحدة لا تريدهم أن يصلوا إلى السلطة، رغم أنّهم يمثلون «الإسلام المعتدل الذي سيحقق العدل والمساواة والديموقراطية». لكنّ مجموعة من برقيات السفارة الأميركية في العاصمة التونسية تشير إلى أنّ العلاقة بين الحزب والسفارة كانت متقدمة.


كذلك يبدو من الوثائق الاهتمام الأميركي الدائم بما يفعله الإسلاميون ونشاطهم السياسي، فموظفوها لا يوفرون أيّاً من زوارهم السؤال عن الناشطين الإسلاميين على الساحة السياسية، وقوتهم الفعلية على الأرض وحقيقة مشاريعهم.
ففي وثيقة تعود إلى 23 أيار 2005 (05TUNIS1081) تتناول الوضع في البلاد بعد الانتخابات المحلية بداية الشهر نفسه، يؤكد أحد أعضاء حزب التجديد (الشيوعي سابقاً) أنّ حزب النهضة الإسلامية لا يزال فاعلاً على هامش المعارضة القائمة ويستهدف الشباب الذين يترددون إلى المساجد. ويقول السفير الأميركي في تونس، وليم هادسون، الذي كتب البرقية، إنّ المعارضة العلمانية أدركت أهمية ذلك، واتصلت بالإسلاميين ومن ضمنهم فلول حزب النهضة في البلاد. وقد اعترف رئيس الحزب التقدمي الديموقراطي، نجيب الشابي، للسفير بأنّه التقى أعضاء من النهضة خارج تونس، أخيراً. وأسرّ زعيم حزب التجديد آنذاك محمد حرمل، بأنّه لا يستبعد اتخاذ بعض الترتيبات مع الإسلاميين لتعزيز نشاطات حزبه. لكن انتهازية الشابي وحرمل، دفعتهما إلى تحذير السفارة من التعامل مع الإسلاميين، أياً كانوا، «في العراق أو أيّ مكان آخر»، وانتقدوا «المكاسب السياسية التي ينالها الشيعة في العراق». ولم يقتصر التحذير من الإسلاميين على هؤلاء، بل وصل الى الجمعية التونسية للنساء الديموقراطيات خلال اجتماع في يوم 9 شباط 2006 (06TUNIS388) مع أحد الموظفين في السفارة. إذ قالت إلهام بلحاج وحفيظة شقير من الجمعية، إنّ القبول بحكومة إسلامية يعني «استبدال ديكتاتورية بأخرى». ورأتا أنّ الوضع مشابه مع من يطلقون على أنفسهم لقب «مسلمين معتدلين».
وفي وثيقة أخرى، تعود ليوم 29 تشرين الثاني 2005 (05TUNIS2564)، بعنوان «انقسام ثنائي للإسلام في تونس»، يتحدث السفير وليم هادسون عن وضع الإسلام في تونس، ويعرض تزايد التديّن في البلاد وتاريخ العلاقات بين السلطة والحركات الإسلامية. ويبدو من هذه الوثيقة، أنّ العلاقة بين السفارة وأعضاء حزب النهضة الإسلامي المنحلّ جيدة، اذ تستعين بهم السفارة للمعلومات. ففي هذه الوثيقة المذكورة، يقول السفير إنّ أحد أعضاء الحزب السابقين اشتكى لأحد الموظفين السياسيين في السفارة من أنّ المجموعات السياسية الإسلامية لا تهتمّ سوى بالنشاطات السياسية والتحالفات. وأضاف عضو النهضة أنّ الله والدين غير مهمّين لهؤلاء، أي أنّهم ليسوا أفضل من القيادة السياسية الحالية في البلاد.
ويبرز الاهتمام الأميركي بموضوع الإسلام في تونس أيضاً في وثيقة تعود ليوم 22 آذار 2006 (06TUNIS670) التي تنقل وقائع طاولة نقاش عقدت يوم 8 آذار، مع بعض ناشطي المجتمع المدني، فيعود الحديث دائماً إلى وضع الإسلاميين وقوّتهم.
ويبدو من بعض الوثائق أنّ شخصاً كزياد الدولالتي، وهو اليوم عضو المجلس التأسيسي للنهضة، كان صديقاً للسفارة، وعلى جدول الزوار الدائمين. زائر يسعى ما في وسعه للترويج لحزبه ولشخصه على أنّه يمثل الإسلام المعتدل.
وعلى غرار الدولالتي، يحاول أعضاء الحزب السابقين الترويج لأنفسهم على أنّهم يمثلون الإسلام المعتدل الذي تبحث عنه الولايات المتحدة في المنطقة. ففي وثيقة تعود لـ18 آب 2006 (06TUNIS2144) تتناول ردود الفعل التونسية على حرب تموز، يلتقي المستشار السياسي في السفارة مع زياد الدولاتلي، والناشط في المجتمع المدني صلاح الدين الجورشي، الذي قال إنّه ترك النهضة لخلافات معهم. قال الاثنان للمستشار إنّ الحرب في لبنان ودور الولايات المتحدة في مساندة اسرائيل قوّيا حزب الله ومجموعات متطرفة أخرى، كما عززا التوجه لدى الشباب التونسي إلى التماهي أكثر مع أفكار مجموعات جهادية مثل «القاعدة» عوض مجموعات «غير عنفية ومعتدلة من النهضة». ويضيف السفير إنّ الاثنين يطلقان على نفسيهما وصف «مسلمين معتدلين».
في الخامس عشر من آب 2006 عقد لقاء بين الإسلاميين التونسيين المعتدلين والمستشارين السياسي والاقتصادي والضابط السياسي في السفارة. وفي برقية في 21 آب (06TUNIS2155) يرسل نائب رئيس البعثة في تونس ديفيد بالارد تفاصيل ما دار في اللقاء، الذي أعدّه بناءً على طلب التونسيين، رضوان مصمودي، وهو أميركي من أصل تونسي يرأس مركز دراسة الإسلام والديموقراطية في واشنطن. شارك في الاجتماع سعيدة أكرمي، الأمينة العامة للرابطة الدولية لدعم السجناء السياسيين، صلاح الدين الجورشي، صحافي وناشط في المجتمع المدني وعضو سابق في حزب النهضة، وزياد الدولاتلي وهو من مؤسسي الحزب، وقضى 15 عاماً في السجن. وتوضح البرقية أنّ الإسلاميين المعتدلين، كما تسمهيم مع بعض التحفظات، إذ ترفق هذه العبارة بمزدوجين كأنّها تلقي المسؤولية بالتسمية على آخرين، أرادوا مقابلة ممثلين عن السفارة «لإعادة فتح حوار في «القضايا المشتركة». ونكتشف أنّ العلاقة بين الطرفين و«الحوار» بينهما يعودان إلى الثمانينيات وتوقف «الحوار» بعد الحملة الحكومية على الحزب وحلّه وزجّ قادته في السجن. وتضمّن هذا الحوار القديم لقاءات مع أعضاء من الكونغرس زاروا تونس».
المحاورون الإسلاميون رأوا أنّ تونس مثال للإصلاح الديموقراطي في الشرق الأوسط. وقال الدولاتلي إنّ «كون تسعين في المئة من التونسيين علمانيين يشجع على عملية تطوير ديموقراطية حقيقية». محاوروه الأميركيون لم تقنعهم هذه الفكرة، وعبّروا عن ذلك في البرقية، وخصوصاً أنّها تأتي من «إسلامي». وسخروا من ادعائه أنّ حزب النهضة حصل قبل حلّه على ستين في المئة من أصوات المقترعين (انتخابات 1989)، فيما لم تتعدّ النسبة الحقيقية، وفق بالارد، الذي كتب البرقية، الثلاثين في المئة في أفضل الحالات.
التونسيون حاولوا إقناع موظفي السفارة بأنّ التعاطي معهم يصبّ في مصلحة واشنطن كي تعيد الثقة والصدقية لنفسها في الشرق الأوسط، وهي تحتاح الى نموذج ناجح عن الديموقراطية في المنطقة. الدولاتلي، الأكثر تحمساً للتعاون مع واشنطن على ما يبدو، حاول خلال الاجتماع الترويج لبلاده على أنّها الأنسب لتحقيق هذا النموذج، وليس العراق. وقال إنّ من الجيّد أن يكون هناك بديل من «البن لادنية».
وطلبت المجموعة، التواقة ربما إلى اعتراف أكبر قوى امبريالية في العالم، بضع «خدمات» من السفارة. أهم هذه الخدمات زيارة ممثل عن البعثة الدبلوماسية الأميركية لحمادي الجبالي، أحد قادة حزب النهضة، وهو «إسلامي معتدل» كما قالوا، لأنّه ممنوع من مغادرة محافظة سوسة. إلى ذلك، طلبوا إدراج أسماء بعض الإسلاميين المعتدلين على لوائح زوار السفارة والزيارات التي تنظّمها للولايات المتحدة من وقت لآخر.
يقول بالارد في البرقية إنّ السفارة سعيدة لمبادرة المجموعة إلى الاتصال بها، لكنّها لا تأمل تغييراً كبيراً في المستقبل مثلهم، ويقول إنّها (البعثة الأميركية) واعية لدوافع المجموعة إلى الاتصال بها، وخصوصاً بعد تصريح دولالتي عن الستين في المئة.
نفّذت السفارة بعض الخدمات المطلوبة، وزارت الجبالي في إقامته الجبرية، فزار أحد الموظفين السياسيين في السفارة الجبالي في 31 آب 2006 (06TUNIS2298) في منزله في سوسة، لأكثر من ساعتين. ما لفت نظر الضابط أنّه على عكس كل من يلتقيهم من المجتمع المدني والمعارضة، لم يشتك الجبالي من السياسات الأميركية في لبنان، وإسرائيل والعراق. الجبالي، الذي قال إنّ راشد الغنوشي هو قائد النهضة، أكّد أنّ النهضة في تونس هو نفسه كما في أوروبا. وككل الحركات الإسلامية في حضرة الأميركي، قال الجبالي إنّ النهضة، بما هو حزب، يريد أن يدخل تدريجاً إلى السياسة التونسية، ولا يريد دولة إسلامية. وكما يفعل الجميع، انتقد الجبالي الأحزاب الإسلامية الأخرى التي تعتقد أنّها تملك «الحقيقة الإلهية، ولا تتقبل النقد». الجبالي، رداً على ملاحظة موفد السفارة أنّه يبدو علمانياً، قال إنّه يفصل ممارسته للدين عن الحياة العامة. وأضاف أنّ المسلمين المعتدلين كلّهم يفكرون مثله، ويرفضون العنف. إجابات الأميركي كانت حاضرة لتذكّره بتفجير مناصرين للحزب فنادق في الثمانينيات. ولم يصدق الموفد ما قاله الجبالي عن أنّه ممنوع من العمل، وعن التضييقات بحقه، نظراً إلى بيته المؤثث جيّداً وبذخه في استقبال الضيف. كذلك تطرق الجبالي إلى التطرف الإسلامي الحالي مقارناً بين عناصر النهضة المنفتحين والشباب التونسي المتديّن والمتطرف جداً، نتيجة القمع. وكذلك لمنع النهضة من ترويج أفكاره المعتدلة.
قد لا يكون جميع الناشطين في حزب النهضة، قبل حلّه، والذين بقوا أوفياء لنهجه بعد حظره «أصدقاء» للسفارة الأميركية في تونس، لكن مما لا شك فيه أنّ فاعلين في الحزب، وأهمّ رموزه والمتحدثين باسمه «حاوروا» الأميركيين لسنوات طويلة، طمعاً باعترافهم، ورغبة منهم ربما بتكرار تجربة العراق. فإذا قررت واشنطن قلب الطاولة على صديقها (السابق) بن علي، فالنهضاويون كانوا جاهزين، دوماً وأبداً، لمباركة ذلك وحكم البلاد، وخصوصاً أنّهم، كما كرروا، «معتدلون»، وهو «النوع الإسلامي» المفضّل للأميركيين.




راشد الغنوشي


في الأول من آذار الماضي، منحت الحكومة المؤقة في تونس حزب النهضة إذناً بإعادة تأسيس الحزب من جديد. فهو كان محظوراً معظم فترة حكم بن علي (منذ نهاية الثمانينيات). ينشط الحزب منذ الستينيات، وكان يعمل في السر لفترات طويلة. وبعد سقوط بن علي، عاد رئيسه راشد الغنوشي من منفاه في لندن. وقال هذا الأخير في مقابلة مع قناة «الجزيرة» نهاية كانون الثاني الماضي إنّ حزبه لا يريد تأسيس خلافة إسلامية وهو مع الدولة الديموقراطية. لم يعلن الحزب ارتباطه بحركة الإخوان المسلمين ولم ينف ذلك أيضاً، رغم أنّ الغنوشي عضو في مكتب الإرشاد العالمي لجماعة الإخوان. ويقول صلاح الدين الجورشي إنّ الغنوشي يرى أنّ الإخوان حلفاء لكنّهم ليسوا مرجعية للحزب. خلال فترة حكم بن علي، سجن عدد كبير من أعضاء الحزب لفترات طويلة، وضُيّق عليهم بعد خروجهم. فيما عاش البعض في المنفى.