القاهرة | كان غياب محمد البراعي، بما يمثله من ثقل سياسي في المرحلة الحالية، عن الحوار الوطني الذي عقدت أولى جلساته الأربعاء الماضي، السؤال الأبرز في جميع النقاشات التي دارت عقب انتهاء أولى الجلسات. ويضاف إلى موضوع غيابه، رفض «ائتلاف شباب الثورة» المشاركة، بسبب غياب آلية واضحة لاختيار المشاركين فى هذا الحوار، على أساس أن إجراءه أتى في توقيت غريب للغاية، أي بعد إقرار الإعلان الدستوري، وهو ما يعني أن القوى المشاركة جاءت فقط للتوقيع على الإعلان والموافقة عليه وتسويقه لدى الناس، رغم اعتراض معظم القوى السياسية في المجتمع على صلاحيات المجلس العسكري في الإعلان.


لكن رغم هذه الاعتراضات، عقدت أولى الجلسات، ما دفع عدداً من السياسيين، الذين اعترضوا على طريقة الاختيار، إلى القول إن الحوار الذي يغيب عنه مفجّرو الثورة ليس حواراً وطنياً. قد يكون عبارة جلسات استماع بين الحكومة ومجموعة من السياسيين والخبراء، لكنه لا يعبّر عن روح «25 يناير».
ماذا يكون هدف هذا الحوار الذي يأتي في أحرج لحظات الثورة المصرية؟ رئيس الوزراء عصام شرف وصفه بأنه «يعدّ بمنزلة قصّ الشريط لمصنع مهم جداً، هو صناعة مستقبل هذه الأمة»، مؤكّداً أن «الحوار مفتوح أمام جميع القوى الوطنية التي تصنع الحلم المصري بلا حدود أو رقابة». لكن عدداً من القوى السياسية، ومنها اليسار، لم تُمثّل في هذا الحوار، فيما رأى آخرون أن وجود ممثلين عن الحزب الوطني وطرح فكرة المصالحة مع رموز النظام السابق فكرة غريبة للغاية، ويثير طرحها في هذا التوقيت الكثير من علامات الاستفهام. لذلك، كان طبيعياً أن تواجه الفكرة بالرفض منذ بداية الحوار. وكان طبيعياً أيضاً أن يصرّ عدد كبير ممّن حضروا الجلسة على حذف هذا البند من أجندة الحوار، حين قال أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة: «مصالحة مع مين، إحنا لازم ننظف الدولة منهم مش نتحاور معاهم، لأن الثورة قامت لإسقاط النظام الفاسد كله، ولأن إعادة بناء الأمّة تقتضى بالضرورة محاكمة رموز النظام السابق، والتحقيق مع رموزه، وفضح قيَمه وآليّاته والإصرار على إسقاطها». هذا لبّ ما يطالب به معظم من حضر الحوار حتى لا يولد ميتاً، لكن الحكومة والمجلس العسكري لديهما أجندة مختلفة وآليات لا يعرفها سواهما للاستمرار في هذا الحوار.
اللقاء الأول حضره نحو 150 شخصية، كان أبرزهم عمرو موسى، الذى أعلن ترشحه للرئاسة وأثنى على فكرة الحوار، واصفاً إياها بالإيجابية. لكنه انتقد في الوقت نفسه التأخر في إجرائه. غير أنّ أهمّ ما جاء في ما قاله موسى هو أن يكون النظام في مصر رئاسياً وليس برلمانياً، عازياً السبب في طلبه إلى ضعف الأحزاب الموجودة حالياً. وأضاف أن «المجتمع المصري لم يفرز بعد أحزاباً فاعلة سواء القديمة أو الجديدة». وهو ما طالب به عبد المنعم أبو الفتوح، القيادي المستقيل من جماعة الإخوان المسلمين، الذي أشار إلى ضرورة «تأليف مجلس رئاسي مدني يضمّ مجموعة من القضاة وممثلاً عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لحين وضع دستور جديد للبلاد».
يواجه هذا الحوار مأزقاً كبيراً، هو أن جميع المشاركين فيه من النخبة. وهذا لا يكفي لخلق حالة توافق مجتمعية مهما تعددت الجلسات. لذلك، طالب عدد من الخبراء بضرورة توسيع نطاق الحوار ليشمل كل المعنيين في المدن والقرى والنجوع، حتى يفسح المجال أمام جميع المصريين للتعبير عن آمالهم، فلا تشعر هذه الملايين في ميدان التحرير بأن هناك من يحدّد منفرداً أوّلويات المرحلة الانتقالية بعيداً عن مدن مصر وقراها. أمام مجلس الوزراء الداعي إلى هذا الحوار فرصة ذهبية لتعديل مساره والخروج به من مجرد لقاء بين الحكومة وعدد من الصفوة إلى حوار حقيقي، يضمّ جميع أطياف المجتمع المصري. فهل تضمّ الجلسة الثانية للحوار غداً ممثلين عن قوى ما بعد 25 يناير؟