أفرغ الإعلام الخليجي كل ما في جعبته من الترويج لانتصارات وهمية لا أثر لها على الأرض اليمنية. وأصبح تكرار الادعاءات الكاذبة، والانتقال بالفوز والنصر من جبهة إلى أخرى ممجوجين إلى درجة الملل. فقدت الدعاية الخليجية المصداقية وقدرة التأثير حتى على المستوى المحلي الخليجي الذي عادةً ما تستهويه البطولات حتى ولو كانت فارغة.


كان يمكن أن يصحّ الإيحاء بالتفوّق والغلبة على مدى فترة قصيرة من العدوان، حيث تكون النتائج غامضة وملتبسة يستطيع فيها كل طرف ادّعاء المكاسب حتى ولو كان ذلك بفارق النقاط. أما في حالة العدوان على اليمن والشرك الذي أوقعت السعودية ودول خليجية أخرى نفسها به، فإن الاعلام يشبه آلة الدمار والقتل العسكري التي دخلت الحرب من دون استراتيجية واضحة. هذه الدول لم تشنّ حرباً يمكن في نهايتها تحصيل مكاسب سياسية تعطيها أفضلية وازنة، مع الاعتراف بوجود المكوّنات اليمنية الأساسية وحق مشاركتهم في أي صيغة سياسية للبلد، بل شنّ العدوان بهدف الهزيمة الكاملة من دون الاعتراف بالمكونات اليمنية الرئيسية التي يتشكل منها النسيج الوطني.
كذلك فعلت الإدارة المتحكمة في الإعلام الخليجي منذ بداية العدوان، فأطلقت أبواقها خارج المعايير والضوابط وبعيداً من الحرفية والمهنية. أما أهم الأساليب التي استخدمتها تلك الوسائل فهي:
أولاً، التحريض المذهبي. أظهر الإعلام الخليجي العدوان على اليمن بكونه يأتي «دفاعاً عن أهل السنّة»، وعمد إلى الضخّ الإعلامي والدعائي على المستويين الإسلامي واليمني، من أجل جذب تعاطف العالم الإسلامي مع العدوان. ونفّذ الموالون لآل سعود وبتمويل منهم، في بعض الدول، حملات دعائية ضخمة تظهرهم في موقع الدفاع عن الأماكن المقدّسة (مكة والمدينة)، مثلما حصل في الحالة الباكستانية بعد رفض الحكومة المشاركة في العدوان. ونشر الاعلام الخليجي كمّاً هائلاً من البيانات والصور والإصدارات المختلفة التي تدعو الشعب الباكستاني إلى ضرورة مشاركته في«الدفاع عن الحرمين الشرفين». أما في الداخل اليمني، فقد استُخدم الخطاب المذهبي للتفرقة بين المذهبين الرئيسيين (الشافعي والزيدي). وفي الحالتين، فشل هذا الإعلام في تحقيق أهدافه. فالدائرة التي انطلق منها العدوان بقيت كما هي، ولم يتوسّع التحالف خارج الدول التي أعلنت المشاركة فيه منذ البداية. حتى إن مصر والمغرب انكفأتا وأخذتا مسافة عن مركز القرار السعودي في هذا المجال. وأفاد مصدر دبلوماسي في القاهرة، «الأخبار»، بأن حضور مصر العسكري يقتصر على حماية باب المندب، وأنها تبحث عن مخرج لتنسحب من «التحالف». تتوزّع وسائل الإعلام السعودي، إزاء مشاركة مصر في العدوان، بين استعطافها من جهة والتهجّم على بعض الإعلام المصري واتهامه بالخيانة والتبعية لطهران، من جهة ثانية.
أما المستويان الديني والشعبي في مصر، فبقيا بعيدين عن التأثر بالدعاية الخليجية. مؤسسة الأزهر نأت بنفسها عن العدوان، كذلك فإن الاعلام الخليجي لم يفلح في حرف اهتمامات الشعب المصري عن الانشغال بالحالة الأمنية الداخلية المتمثلة في خطر التنظيمات المتطرفة والوضع الاقتصادي الذي تعيشه البلاد.
على الصعيد اليمني الداخلي، لم تنطلق سياسة التفرقة المذهبية بين اليمنيين من دراسة للتركيبة المجتمعية للشعب اليمني. اعتمد التوجيه الإعلامي الخليجي على تجارب سابقة في بعض البلدان العربية، خصوصاً في العراق وسوريا، حيث استطاعت الماكينة الخليجية استقطاب بعض الشرائح المحسوبة على التيار السلفي، وتغذية النزعة المذهبية فيها، ودفعها باتجاه الانتقال من الحالة الدعوية إلى القتال وصناعة الموت. غير أن ذلك لا ينطبق على الحالة اليمنية، حيث لا وجود أبداً للنزاعات المذهبية، وحيث يتعايش المذهبان الشافعي والزيدي منذ مئات السنين، فيما تقتصر التباينات فقط على الجانب الفقهي. حتى إن الوحدة بين هذين المذهبين أصبحت نموذجاً يحتذى به في العالم الاسلامي، حيث إنه يطلق على الشوافع في الدوائر العلمية، بسبب قربهم من أهل البيت، لقب «شيعة السُنّة». يضاف إلى ذلك أن العبادة لمعظم أتباع المذهب الشافعي تعتمد على الطرق الصوفية التي «تُكفَّر» من قبل الفكر الوهابي، فضلاً عن وجود ملايين اليمنيين من سلالة «الأشراف» موزّعين بين المذهبين ويشكلون نسيجاً اجتماعياً متّحداً ومترابطاً. لذلك لم يجد الإعلام الخليجي آذاناً صاغية، واصطدم بصخرة الوحدة الإسلامية في البلد.
ثانياً، الفرقة بين المكونات اليمنية. انشغلت الماكينة الإعلامية منذ بداية العدوان بالعمل على فكّ الارتباط بين حزب «المؤتمر الشعبي العام» و«أنصار الله». فبعدما كان الرئيس السابق علي عبدالله صالح حليفاً للسعودية لمدة ثلاثة عقود، تحوَّل فجأةً إلى خصم سلّطت عليه الدعاية الخليجية الأضواء، في محاولة لشيطنته والتصويب على خلافاته السابقة مع «أنصار الله» والعمل على شقّ الترابط معهم. فتارةً تشير إلى «تبعيته» لـ«أنصار الله»، وطوراً تتهمه بأنه هو من ورّطهم في دخول الحرب. كذلك توجه الإعلام الخليجي إلى «المؤتمر» باتهامه بالتسبّب في الحرب وتحميله مسؤولية ما وصل إليه البلد، بل إن الدعاية والإعلام الخليجيين روّجا لسفر صالح مرات عديدة كثمن للتسويات المطروحة، مرةً إلى جيبوتي وثانية إلى سلطنة عمان وثالثة إلى موسكو ورابعة في الطائرة ينتظر من يستقبله. كذلك، فإن محاولات شقّ حزب «المؤتمر الشعبي العام» من الداخل بقيت الخبر الدائم لهذا الإعلام، ولكن من دون جدوى.
أما «أنصار الله»، فقد عمد الإعلام السعودي في البداية إلى التعاطي معهم بطريقة متعالية، واصفاً إياهم بأنهم «قادمون من جبل مران»، لنزع القدرة على إدارة الحكم عنهم. في ما بعد انتقل إلى وصفهم بأتباع «الفرس والمجوس أو اتباع ولاية الفقيه»، وأن قوات إيرانية تشارك في القتال معهم. وغرق هذا الإعلام في الإسفاف إلى درجة أنه أحصي إعلان أسر جنود وضباط إيرانيين 17 مرة، وفي بعض المرّات كان يقدم صوراً للأسرى، ليتبين لاحقاً أنها في دول أخرى. أما زعيم «أنصار الله، السيد عبد الملك الحوثي، فقد أُعلن استشهاده في الإعلام الخليجي مرات عدة، لتبدأ التكهنات عن خليفته ومصير الحركة في غيابه (كبريات الفضائيات الخليجية شاركت في هذا الترويج) أما أبو علي الحاكم فقد «استشهد» حتى الآن عشر مرات، بالنسبة إلى هذه القنوات.
في الجنوب، وفيما نقلت وسائل الإعلام المحلّية والعالمية أخبار القتل والسرقة والفوضى والعصابات المنظمة، تتعامى وسائل «الإعلام الخليجي» وتصوّر الوضع في الجنوب كأنه جنّات عدن، في محاولة للتخفيف من الأعمال الإجرامية التي يقوم بها «القاعدة» و«داعش».
ووصلت حالة الإنكار إلى أن ضغطت إحدى المحطات الخليجية الكبرى على أحد مراسليها كي يزيل تغريدة على موقعه يشير فيها إلى أن من نفّذ العمليات الانتحارية التي حصلت في فندق القصر والبريقة منذ شهرين هم من «داعش»، قبل أن يتبنى التنظيم العملية، ورغم ذلك ربطت العملية بالرئيس السابق علي عبدالله صالح. أما «الحراك الجنوبي»، فقد وصفته هذه القنوات بأنه «حراك إيراني».

بذل الإعلام الإماراتي
مجهوداً لإقناع الإماراتيين بجدوى التبعية للسعودية

من جهته، بذل إعلام الإمارات جهوداً جبارة لإقناع الإماراتيين بجدوى التبعية للسعودية في هذه الحرب. لذلك، أدخل مصطلحات ومفاهيم لم يسمع بها الاماراتيون إطلاقاً من قبل. فتغيّر التوجه من الاقتصاد والتجارة والاستثمار والمنافسة العالمية في هذا الاعلام، إلى مفاهيم جديدة من قبيل الحرب الاستباقية و«الأمن القومي العربي»، والتركيز على أن الدفاع عن حدود الوطن يقتضي الوجود في قلب جغرافيا العدو، ومساعدة الشعب اليمني، والتماثل بالدول الكبرى. غير أنّ هذا الإعلام تغافل عن حقيقة معاداته لمعظم هذا الشعب. فالامارات تناصب العداء علناً لحزب «الإصلاح» (الإخوان المسلمين) رغم تزلّفه وتملقه لها. إلا أن اللهجة الإعلامية ضد هذا المكوّن لم تتبدل وكذلك التضييق عليه ميدانياً. والإمارات تشنّ حرباً عسكرية ضد مكوّنين رئيسيين في اليمن هما «أنصار الله» وحزب «المؤتمر الشعبي العام»، والأحزاب الثلاثة المذكورة هي أكبر المكونات الرئيسية في البلد، والأحزاب الباقية حليفة لأحد المكوّنات الثلاثة. فمن يقنع الإعلام الإماراتي بأن بلاده تدخلت في العدوان من أجل إنقاذ الشعب اليمني ومساعدته، فضلاً عن التذرع بأن التدخل الاماراتي جاء لقتال «القاعدة» و«داعش»، في حين لم تسجل أي عملية عسكرية إماراتية ضد التنظيمين المذكورين، بل سجّل أن تنظيم «داعش» نفّذ عمليات انتحارية متزامنة ضد مقارّ إماراتية في فندق القصر والبريقة، فُهم منها أنها أتت في سياق الصراع بين الأجنحة الحاكمة في السعودية والإمارات.
مقابل ذلك، ورغم التقدم اليومي للجيش و«اللجان الشعبية» في الحدود الجنوبية للسعودية، مع ما يرافقه من مشاهد لهذه العمليات وصور تدمير الآليات واحتراقها مع تدمير المواقع والثكنات الحدودية وحالات الهروب المتكرر للجنود السعوديين والسيطرة على القرى والمدن، إلا أن الإعلام الخليجي غائب عن تغطية الحدث عن الجبهة الحدودية نهائياً. حتى إنه عاجز عن تقديم رواية مقابلة للصور والمشاهد التي يعرضها «الإعلام الحربي» في «أنصار الله».




«العفو الدولية»: قتلى مدنيون في صنعاء جراء قصف لـ «التحالف»


أعلنت منظمة «العفو الدولية» ومنظمة «هيومن رايتش ووتش»، يوم أمس، أن «التحالف» الذي تقوده السعودية في اليمن، استخدم صاروخ «كروز» بريطاني الصنع في هجوم على مصنع يمني للسيراميك، قُتل فيه مدني واحد على الأقل وأصيب آخرون بجروح.
وقالت المنظمتان الدوليتان إن فريقاً من المحققين عثر على بقايا صاروخ (بي.جي.إم 500) من إنتاج شركة «ماركوني داينميكس» البريطانية وسط حطام المصنع قرب العاصمة اليمنية صنعاء بعد قصفه في أيلول الماضي. وأشارت «هيومن رايتس ووتش» في بيان إلى أن «الهجوم على المصنع في محافظة صنعاء الذي بدا أنه كان ينتج فقط بضائع مدنية قتل فيه شخص واحد ومثل انتهاكاً واضحاً للقانون الإنساني الدولي». وكان وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، قد أكد، في وقت سابق من الشهر الحالي، أنه «سيوقف صادرات الأسلحة للسعودية إذا كشفت التحقيقات انتهاك الرياض للقانون الإنساني الدولي في الحرب في اليمن». تجدر الاشارة إلى أن بريطانيا منحت تراخيص لتصدير أسلحة بقيمة أربعة مليارات جنيه استرليني (6.06 مليارات دولار) للسعودية في السنوات الخمس السابقة، شملت شحنة من قنابل «بيفواي 4» التي تستخدمها المقاتلات من طراز تايفون وتصنعها شركة «بي.ايه.إي سيستمز» البريطانية للأسلحة، بحسب تقرير برلماني بريطاني صادر عام 2013.
(الأناضول)