ليل الجمعة الماضي، عاد أحمد باشان على متن آخر رحلة لطيران الشرق الأوسط أقلعت من مطار أبيدجان، قبل إغلاقه وسيطرة القوات الفرنسية عليه. لا يبدو الشاب سعيداً كفاية بتمكنه من مغادرة ساحل العاج سالماً، في الرحلة التي وصفها البعض بـ«الخلاص الأخير»، قبل أن تلتهب البلاد بالاضطرابات. بتثاقل، يروح ويجيء مقيماً بين بلدته المنصوري، وبلدة زوجته البازورية، لأنه لا يملك منزلاً خاصاً به هنا. ويبدو أحمد كمن يدور في دوامة مخرجها الوحيد العودة إلى «موطنه الأصلي» في ساحل العاج.

وإذ لا يشعر الشاب بأنه لاجئ في أرض غريبة، لا يجد نفسه أيضاً في مسقط رأسه. عينه وعين الأشخاص الثلاثمئة العائدين على متن الرحلة ذاتها، شاخصة نحو تطورات ساحل العاج، حيث أمضى جلّ سنوات عمره، يعمل لكسب قوته. و«ما دام الرزق عديل الروح»، يصبر أحمد على خسائره الفادحة التي أُصيب بها منذ اندلاع الأحداث، ولا سيما في ديوكووي، حيث يقيم ويعمل في تجارة الكاكاو، الثورة الكبرى لساحل العاج. ومثلما استطاع الصبر على سرقة شاحناته، لا يريد تذكُّر أيام إقامته في أحد مراكز اللجوء التابعة للأمم المتحدة، قبل شهر ونصف الشهر، بعد تقدم المسلحين نحو المدينة. وبرغم أنه نزح من ديوكووي قبل أن يهجّر مجدداً من كوكودي والمنطقة الرابعة إلى لبنان، لا يزال ينتظر انتهاء الأزمة، لا ليعرف مَن الرئيس الفائز فيها، الحسن واتارا أو لوران غباغبو، بل ليعود إلى منزله الخاص وسيارته وأغراضه وأعماله وحياته اليومية التي أسّسها مذ كان فتى.

الهروب الثاني

قبل أسبوعين، هربت مريم قانصوه للمرة الثانية من مكان إقامتها في المنطقة الرابعة في أبيدجان، بعد الهروب الكبير الأول الذي سجل بعد أسابيع على اندلاع الأحداث قبل ثلاثة أشهر. حينها، مكثت مريم خمسة وعشرين يوماً مع طفليها، فيما بقي زوجها غالب هناك لمتابعة أعماله. في الرحلة الأولى، كانت السيدة أكثر تفاؤلاً، إذ تركت معظم أغراضها في منزلها هناك، لأسباب عديدة منها أنها لا تملك منزلاً خاصاً بها في بلدتها الأم ارزي (قضاء الزهراني)، شبيه بذاك الذي تملكه في المنطقة الرابعة. إلا أنها أيضاً كانت مطمئنة حينذاك إلى أنها ستعود قريباً إلى «الساحل» الذي صار موطنها منذ ست سنوات، مثلما صار منذ سنوات طويلة موطن زوجها وعائلته وأقاربهما. الزوج كان لا يزال حتى ذلك الحين، ينتج اقتصادياً، ولو بنسبة أقل من العادة، بينما كانت الاشتباكات محدودة. أما وقد اتسعت رقعتها، ووصلت إلى حد فرض حظر تجول وتطاير الرصاص الطائش من الثكنة العسكرية المقابلة للمنزل، وإقفال المدارس، فقد اضطرت مريم إلى اتخاذ القرار والنجاة بطفليها مع عائلة زوجها وأقاربها من النساء والأطفال.
حملت مريم هذه المرة أمتعة كثيرة، جمعت فيها عدداً كبيراً من أغراضها، كأنها لن تعود إلى أبيدجان. تطوُّر الأحداث عزّز شعورها المتشائم بفقدان «بلد الرزق الذي لا غنى عنه». فقد أجبرتها مغادرتها لساحل العاج على التنقُّل من بيت قريب إلى آخر، لأنها لم تكن قد أنهت تجهيز منزلها الخاص. أما الطفلان، فهنا كانت الأزمة في إمكان إلحاقهما بمدرسة قبل نهاية العام الدراسي. والأهم إلحاقهما بمدرسة يستوعبان منهجها الدراسي المختلف تماماً عن المدارس الأفريقية.
ورغم ما تعانيه من تشتُّت وخشية من نفاد الأموال المتوافرة بين يديها، وهي تنفقها من دون كسب أموال أخرى في ظل ارتهان زوجها للبطالة القسرية، تشعر بأن حالها أفضل ممن عادوا في الأيام الماضية حين تدهورت الأوضاع. فالعديد من أصدقائها وأقاربها عادوا على عجل، فلم يتمكنوا من توضيب أغراضهم وإنقاذ الضروري منها في حال تعرض منزلهم للسرقة. وهنا في وطنهم، عليهم البدء من نقطة الصفر، كأنهم لاجئون، بلا منزل أو ملابس أو غد مضمون بختم الدولة اللبنانية.
رحلة الجمعة حملت من استطاع إليها سبيلاً، إن عبر تمكنه من سلوك طريق آمن من مكان إقامته إلى المطار، أو لأنه امتلك ثمن التذكرة، أو لأنه قرر النجاة بسلامته الخاصة، بعدما صمد هناك لحراسة مصالحه الاقتصادية. أما من بقي، فهم الغالبية العظمى من الثمانين ألف لبناني المقيمين هناك، رغم أن شركة الطيران زادت في الفترة الأخيرة عدد رحلاتها إلى أبيدجان، حتى وصلت إلى خمس رحلات أسبوعياً، تستوعب كل منها ثلاثمئة شخص. كان ذلك قبل أن تعلن «الشرق الأوسط»، في بيان يوم السبت، إلغاء رحلاتها في اليومين الماضيين، بسبب انعدام الأمن في الدولة الأفريقية، رغم أن المطار عاد ليفتح أبوابه منذ أول من أمس.
وإن فُتحت الأبواب واستؤنِف الطيران، فمن يضمن طريقاً آمنة للوصول إلى المطار؟ هكذا تمضي عائلات بحسون وفقيه وباشان ورومية وسواها العشرات في البلدات الجنوبية، ساعاتها، مترقبةً وسائل الاتصال، في محاولة للاطمئنان إلى مصير أبنائها من جهة، ولاستنفاد الطرق مع المسؤولين اللبنانيين والفرنسيين المعنيين للمساعدة في إجلائهم من جهة أخرى.

تموز آخر

في بلدة معركة قضاء صور، يتابع المهندس سعيد رومية ظروف شقيقه جلال المحاصر منذ يومين في أحد المباني مع مجموعة من اللبنانيين. الموقف يذكّره بمتابعته لعملية إجلاء عائلته من البلدة خلال العدوان الإسرائيلي في تموز 2006، إلى مكان آمن. تختلط الذكريات بصوت شقيقه الذي يقاطعه أزيز الرصاص والمدافع وضجيج المروحيات من حوله، لتشعل غضبه على الحكومة اللبنانية، مقارناً أداءها بأداء الحكومة البريطانية، التي يحمل جنسيتها مع عائلته خلال العدوان.
غضب رومية من تلكؤ المسؤولين لمساعدة اللبنانيين قبل انفجار الأوضاع عبر توفير رحلات طيران أكثر، وبأسعار أقل، لا توافق عليه كلياً أماني فقيه، علماً بأن زوجها ووالديها وأشقاءها لا يزالون عالقين في كوكودي، حيث يقيمون بمحاذاة مبنى الإذاعة ومقر الرئيس غباغبو. تعترف أماني بأن معظم العائلات تمهلت في قرار ترك أبيدجان. فهي والكثيرون سواها لم يعودوا إلى لبنان إلا قبل أسبوعين، حين كانت المدارس لا تزال تعمل بشكل طبيعي. وفيما أمل البعض تسوية الأمور، ولم يتوقعوا أن تتطور إلى ما هي عليه الآن، فقد رفضت نساء أخريات ترك أزواجهن بمفردهم، وفضّلن الصمود معهم، بينما اضطر من لديه أطفال إلى الابتعاد، وخصوصاً بعدما أخذت الأدوية والحليب تنفد من الأسواق، على حد تعبير أماني.
ومع محاصرة اللبنانيين، كل في مكان إقامته، وجهلهم بما يحدث في الأحياء الأخرى من أبيدجان بسبب فرض حظر التجول، بات العلم بتدهور الأوضاع وفداحة الأزمة على اللبنانيين، يشكل عرضاً مشوقاً على الهواء مباشرة. فمن شاشة التلفزيون، تابع نبيل زرقط وشقيقاه كيف حطت مروحية تابعة للأمم المتحدة على سطح المبنى الذي يملكونه في أبيدجان، في محاولة لإجلاء عائلات كانت محاصرة في داخله. المشاهد نفسها جعلت نبيل يفهم أن المبنى المؤلف من اثنتي عشرة طبقة صار «على العظم». المسلحون سرقوا النوافذ وحواجز الشرفات والأبواب وكل محتويات الشقق والمراحيض، بعدما قضوا على بضاعة المتجر الواقع في الطبقة السفلى.
أما المغترب حسن بحسون، الذي عاد قبل أيام، فقد تابع من على شاشة التلفزيون أيضاً عملية إنقاذ أطفاله وأقاربه وعدد من الموظفين في مصنع تياسلي الخاص به بواسطة آليات تابعة للوحدة المغربية في قوات الأمم المتحدة، وهم يقيمون حالياً في مخيم اللاجئين التابع لها. فقد تعرض المصنع، إلى جانب معمل آخر لآل الخليل في إندوسي، لهجوم عصابات مسلحة. عرض أعاد إلى الأذهان عدوان تموز الذي تابعه هؤلاء أنفسهم على الفضائيات التي أظهرت بدقة كيف قصف منزل أحدهم أو كيف انهار محل آخر. أما آل قعور، فقد تحسّروا أيضاً على خسائرهم الفادحة، بعد سرقة استهلاكية «أوركا» التي يملكونها، بعدما سيطر عليها المسلحون.

«كل مظاهر الغنى»

انتظار المجهول في لبنان فتح مجالاً واسعاً للكثيرين من «الخبراء» في الشؤون العاجية وغيرهم، لاقتراح مخارج للأزمة اللبنانية في ساحل العاج. البعض اقترح إرسال سفن لإجلاء الرعايا بعد تأمين نقل آمن للبنانيين، وآخرون طالبوا بتدخل الحكومة على أعلى المستويات لحماية مصالح اللبنانيين. وهنا، تستدرك زهرة بحسون، المولودة في ساحل العاج، بأن أحداً لا يمكنه منع ذلك لأن «كل مظاهر الغنى والاقتصاد والرفاه هي لبنانية الأصل، ولا يمكن تفاديها».
تجدر الإشارة إلى أن دفعة الإياب الجماعية التي شهدها مطار بيروت خلال الأيام الماضية من أبيدجان، هي الثانية من نوعها بعد عودة مماثلة حصلت في مطلع العام الجاري. إلا أن الكثيرين ممن تركوا أبيدجان آنذاك، عادوا إليها بعد الهدوء النسبي الذي ساد البلاد خلال كانون الثاني وشباط الماضيين. وإذ تمهّل هؤلاء حينها في إلحاق أبنائهم بالمدارس المحلية، فإنهم في هذه الأيام يؤسسون للإقامة الطويلة مبدئياً في لبنان، مع وصلها بعطلة الصيف القريبة. لذا ينهمك البعض في تجهيز شقق لهم، مع احتماء آخرين بمنازل ذويهم إلى أن تستتب الأمور، ويفك الحصار عن المصارف العاجية. فهذا الحصار حرم اللبنانيين الاستفادة من أموالهم المودعة، أو تحويلها من مكان لآخر.




مخاطر الإجلاء

لعل من شأن الحادثة التي تعرّض لها اثنان من اللبنانيين في ساحل العاج أمس، أن تسلط الضوء على مخاطر عمليات الانتقال والإجلاء. وفي اتصال تلقته «الأخبار»، أكد المغترب حسن بحسون المحاصر في كوكودي، نجاة المواطنين الجنوبيين محمد بسما ومصطفى حيدر من بلدة قانا، من حادث إطلاق نار على سيارتهما، بينما كانا يحاولان اجتياز جسر بلاتو للوصول إلى المطار. إلا أن الاشتباكات الدائرة على الجسر وفي محيطه بين مجموعات «الرئيسين» لوران غباغبو والحسن وتارا، طالتهما بالرصاص الذي أصاب السيارة وجرحهما في أنحاء متفرقة من جسديهما. وبعد شيوع نبأ مقتل بسما، عادت الأنباء لتؤكد نجاة الاثنين بعد إسعافهما في مستشفى فرح في ماركوري على يد طبيب لبناني. إلا أن الحادث الذي لم يصل إلى حد المأساة المحتملة، زاد من مخاوف اللبنانيين من طول حصارهم كل في مكان إقامته بلا نافذة أمل محتملة، وهو ما حاول بسما وحيدر الوصول إليه. وبحسب بحسون، علق اللبنانيون تماماً بعد التشدد في فرض حظر التجوال واشتعال الاشتباكات في معظم الأحياء. فمحال بيع المواد الغذائية لتوفير مؤونة الصمود قد نفدت بالكامل أو تعرضت للسرقة. لذا، انضموا إلى مجموعات وتركزوا في مكان واحد، بعد توافر الغذاء والأدوية والشرب وحاجات الصمود من بيوت بعضهم. كذلك أشار بحسون إلى انقطاع المياه في أحياء عدة من ماركوري وتريشفيل منذ ثلاثة أيام. أما الاتصالات الخلوية فهي مهددة أيضاً بالانقطاع بسبب نفاد بطاقات شحنها في ظل إقفال محال بيعها.
وإن لم تحطّ أي طائرة مدنية في مطار أبيدجان منذ يوم الجمعة الفائت، فإن الجالية اللبنانية لا تنتظر، بحسب بحسون، وصول طائرة لبنانية؛ لأنها إن حطت لإجلائهم فلن يتمكنوا من اجتياز الجسر، الذي يقع في الطريق إلى المطار، فيما خلف الجسر تقع مناطق تركز اللبنانيين مثل بلاتو وماركوري وكوكودي. لذا، حمل بحسون مطالب الجالية بدعوة الجيش الفرنسي إلى ضمان طريق آمن للبنانيين للتجمع في نقاط محددة تمهيداً لإجلائهم عبر المطار أو عبر بواخر تقلهم إلى غانا ومنها إلى بيروت.
أما اللبنانيون السبعة والعشرون الذين حظوا بالإجلاء الفرنسي عبر ثلاث مروحيات عسكرية أول من أمس من المطار إلى توغو، فقد كانوا محظوظين «بسبب جنسيتهم الفرنسية التي يحملونها، لا لأنهم لبنانيون».
(الأخبار)