باريس | تتكاثر الأسباب التي باتت تجعل من حملة دعم الثوار في ليبيا مسألة عويصة ومتشابكة، تتداخل فيها العوامل التي يمكن أن تقود إلى إفشال آمال الثوار ودفن ربيع الثورة الليبية. تشعّب هذه العوامل يمتدّ إلى السياسات الداخلية للبلدان المشاركة في التحالف، ويطال أيضاً علاقات هذه الدول بعضها ببعض. كذلك يفرض التردّد العربي، الذي بات اليوم ظاهراً للعيان، ثقلاً على قرارات الحلف الأطلسي، الذي بات مسؤولاً مباشراً عن تطبيق القرار ١٩٧٣. تضاف إلى كل ذلك الفوضى التي يبثّها تفتّت نظام الديكتاتور وهروب مسؤوليه إلى الخارج، فيما يساهم «تلاعب عائلة القذافي ومكرها» في مضاعفة إرباك الوضع. هذه الفوضى وصلت إلى «قلب التحالف»، بعد الإعلان عن «مشادة كلامية» بين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والرئيس الأميركي باراك أوباما بسبب ليبيا، وذلك خلال محادثة فيديو كونفرانس شارك فيها كل من رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون والمستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل يوم الجمعة الماضي. وذكرت مصادر موثوقة لـ«الأخبار» أن أوباما أعلن لنظرائه ضرورة وقف قصف ليبيا، وأنه قرّر سحب الطائرات القاذفة «ساندربولد A-10» وطائرات دعم القوات الأرضيّة «AC130»، التي كانت وراء إجبار كتائب القذافي على التراجع مئتي كيلومتر تقريباً، في أول أيام الهجوم من السماء. وقد «علا صوت» ساركوزي حين سمع هذا الخبر والتبريرات «الدستورية» التي قدمها أوباما، وملخّصها أنه «لا يمتلك قرار الحرب» من الكونغرس. وبالطبع لا تمتلك فرنسا ولا بريطانيا معدّات توازي قوة نار الطائرات الأميركية التي ستُسحب لأنها متخصصة بضرب قوات المشاة على الأرض «والقرار ١٩٧٣ لا يطلب ذلك ولا إقصاء القذافي عن الحكم»، حسب ما ذكره أوباما نقلاً عن تلك المصادر.

ويرى الخبراء أن الانسحاب الأميركي، الذي «صادف» تسليم الحلف الأطلسي القيادة، هو الذي يقف وراء «عودة تقدم قوات القذافي لنحو مئتي كيلومتر»، بعدما اختفت من السماء «القلاع الطائرة»، علماً بأن فرنسا وبريطانيا غير قادرتين على «تعويض قوة النار هذه». وبالطبع لدى ساركوزي أيضاً أسباب انتخابية تقف وراء حملته الليبية، فهو يريد الوصول إلى الانتخابات الرئاسية في العام المقبل وفي «جعبة صيده ديكتاتور»، كما يقول أحد منتقديه. وتعتقد مجموعة المستشارين التي تحيط بالرئيس الفرنسي أن المساهمة في إطاحة العقيد الليبي سوف تمحي صورة ساركوزي «صديق مبارك وبن علي»، وكل طروحاته ضد العرب والمهاجرين. ويوافق خبير فرنسي في السياسة الأميركية أن «رأس القذافي في جعبة أوباما يمكن أن يكون أيضاً مكسباً انتخابياً»، إلا أنه يستطرد بأن «المعلومات التي بحوزة البنتاغون» تفيد بأن «المعركة طويلة». لكن الخبير يشير إلى «ذكاء أوباما» الذي أعلن قبل يوم إرسال عناصر من الـ«سي أي إي» إلى داخل ليبيا، وأرفقها بخبر انسحاب الأسلحة الثقيلة ووقف قصف ليبيا، فهو يستطيع أن يقول إنه «مشارك وغير مشارك». وفي الواقع فإن هذه الخطوة الأميركية تعرّي موقف كل من ساركوزي وكاميرون من جهة، وتبرز أن «أوروبا لا تزال ضعيفة غير قادرة على أي عمل عسكري في غياب أميركا».
من جهة أخرى ما زالت التعقيدات السياسية تتضاعف، ومنها المرتبط بـ«خوف العرب من وصول الأطلسي»، كما ذكر دبلوماسي عربي لـ«الأخبار». كذلك يسبب تراجع أميركا عن القصة على الطريقة العراقية انشطاراً في شعور العرب المتابعين، فهو من جهة يريحهم، لكنه يشير إلى ثبات القذافي ومقاومته، ما يعني المزيد من الدماء والفوضى في المنطقة. والحديث عن تسلل «القاعدة» لم يعد فقط من مضمار الدعاية السياسية، بل بات عنصراً مهماً في الحالة الليبية. ويكشف الدبلوماسي عن أن «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» يمدّ يد العون للطرفين، فهو يدعم القذافي في الغرب ويحارب عناصره في الشرق. ويشير إلى أن عدداً كبيراً من أفراد «القاعدة» الذين اعتقلوا في أفغانستان كانوا آتين من بنغازي، وأن معظمهم عاد إلى البلاد و«اندثر في الطبيعة».