تعز | يستقبل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح وفوداً في قصره الرئاسي مكوّنة من كبار مشايخ مدينة تعز، هكذا يقول الخبر الرسمي. وعند النظر إلى هيئة الموجودين في ساحة القصر، نكتشف أنهم ليسوا سوى الجماعة نفسها التي بقيت إلى جواره منذ صعوده في الحكم، وكوّنت ثرواتها بفضل وجودها بالقرب منه. في الوقت نفسه، يعطي صالح أوامره بمهاجمة الثوار في شوارع المدينة وساحات الاعتصام، موقعاً أكثر من 17 قتيلاً. مشهد متناقض يعود إلى حكاية الديكتاتور مع المدينة التي صعد منها. هي تعز اليوم الواقعة تحت نيران قوات الحرس الجمهوري التابع لنجله، أحمد، وقوات الأمن المركزي التابعة لنجل شقيقه الراحل محمد عبد الله صالح. هذه القوات التي تتركز غالبيتها في محيط المطار القديم والقصر الجمهوري، بسبب تخوّف صالح من اقتحام الثوار له وإسقاطه. المدينة أعلنت الثورة بكل عزم لإسقاط صالح، لكن الأخير يحاول عبثاً أن يغير المشهد، فتراه يُظهر صوراً أرشيفية قديمة لمهرجانات تأييد له في تعز، في أكثر من فعالية جماهيرية، بينها مأتم في 2006 أثناء حملة الانتخابات الرئاسية، التي دخل حينها لأول مرة في منافسة حقيقية مع مرشح أحزاب اللقاء المشترك المهندس الجنوبي فيصل بن شملان.

الوضع قد تغيّر الآن، ولم تعد المدينة في صفّه، أو أنّها لم تكن في صفه أصلاً. تغيرٌ يمكن لمسه بسهولة من خلال مظاهر الحشود اليومية التي تخرج مندّدة بأعمال القتل والبلطجة التي تمارسها قوّاته ضدّ شباب الثورة. وكانت المسيرة التي خرجت صباح أمس هي الأكبر ربما في تاريخ المدينة على الإطلاق، إذ غصّت بها شوارع المدينة، على عكس المسيرات السابقة التي كانت تتمركز في مناطق معيّنة، وخصوصاً أمام مدرسة الشعب الأشهر في مدينة تعز. وهي تقع في مكان يؤدي، حال الخروج من نطاقه، إلى مجال المدينة الواسع، وتعمل قوات الأمن عبره على محاصرة الشباب وعدم السماح لهم بالخروج. ولكنها غفلت أن ذلك سيؤدي إلى حالة «تثوير» العامة الذين قد ينضمون من الشوارع الجانبية إلى صف المسيرات الخارجة.
بالفعل، هذا ما حصل صباحاً. خرج شعب تعز إلى شوارع المدينة، وعلت أصداء هتافاته العالية في أنحاء واسعة من المدينة. وكان من الطبيعي أن تبقى قوات الأمن في حالة ترقب، من دون تدخل بالرصاص الحي أو قنابل الغاز السامة. أما السبب البديهي فهو العدد الضخم الذي كان موجوداً. كم تريد أن تقتل كي تتمكن من إيقاف مسيرة بهذا الحجم؟
هذا إضافة إلى ما حدث فجر أول من أمس، عندما تدخلت فرقة خاصة من الفرقة الأولى المدرّعة لحماية المعتصمين في ساحة الحرية، بعدما حاولت مجموعة من القناصة بزيّ مدني اعتلاء مبانٍ تطل على الساحة، وهو ما كان يُنذر بوقوع مجزرة أكبر من التي حصلت قبل يومين وأودت بحياة 17 شاباً برصاص أصيبوا به في الرأس والرقبة والصدر، وهو سيناريو يذكرنا بمذبحة «الجمعة الدامية» في ساحة التغيير في مدينة صنعاء.
وهذا يعني أن مجموعة القنّاصة التي تُناط بهم هذه المهام إنما هم كتائب الإعدام نفسها التي جُهّزت لمثل هذه المهمات السوداء. ولا نغفل أيضاً الصدامات التي وقعت بين قوات الأمن المركزي والفرقة الأولى المدرّعة التابعة للواء علي محسن الأحمر عند منطقة تماس ساحة التغيير في صنعاء.
وبالنظر إلى نتائج ما حصل خلال اليومين الأخيرين في مدينة تعز، نجد أنّ شباب الثورة، والمستقلين منهم على وجه الخصوص، قد كسبوا نقاطاً إضافية بخروجهم من ساحة الحرية، منطلقين باتجاه شوارع المدينة، معاكسين بذلك رغبة أحزاب اللقاء المشترك، وحزب التجمع اليمني للإصلاح على وجه الخصوص، الذي يرغب في أن تبقى حركة الثورة محصورة في محيط الساحة، لأنّ هذه الأحزاب ترى أن خروجهم يناقض مبدأ سلميّة الثورة. لكن شباب الثورة من المستقلين يرون أن بقاء الثورة في الساحة يعمل على تسكينها عند نقطة التجمد، ويبث في روح الشباب الملل وشعور اللاجدوى من وجودهم من دون فعل أمر إيجابي، مكتفين فقط باستقبال حالات الهجوم عليهم من قبل أفراد الأمن وبلطجية النظام الحاكم، ويرون أيضاً أن الخروج من الساحة واكتساب مساحات جديدة في المدينة، ولو على فترات زمنية متباعدة، إنما يعمل على نقل الحالة الثورية إلى الشارع وكسب منضمين جدد، وهو ما تحقق بالفعل في مسيرة صباح أمس. وكسب شباب الثورة نقاطاً إضافية أخرى مع انضمام رجال الفرقة الأولى المدرّعة إليهم، وإن لم يكن ذلك بوضوح، لكنه برز من خلال وقوفهم كحائط حماية بينهم وبين قوات الأمن المركزي. ربما حصل هذا عفوياً من قبل القائد الميداني في الليلة نفسها، لكنه يدلُّ على وجود نيّة حقيقية في صفوف أفراد الفرقة لعدم تكرار وقوع مذابح جديدة في صفوف شباب الثورة، الذين لا يزالون متمسكين بالطابع السلمي لثورتهم، ولم ينساقوا وراء الاستفزازات التي تمارس ضدهم.
وفي كل الأحوال، يبدو الرئيس علي عبد الله صالح الخاسر الأكبر من هذا كله، خصوصاً وهو يرى أنّ قرار نقل معركته من صنعاء إلى تعز لم يعط الأثر الذي كان مرجوّاً منه، بل على العكس. لقد سجل شباب الثورة نقاطاً جديدة لمصلحتهم، فيما ظهر هو على هيئة منتقم لا غير، يودّ تصفية حسابات قديمة باقية له مع مدينة تعرف تاريخه القديم من الألف إلى الياء.