تونس | انفجر الخلاف الذي كان يهدد منذ بضعة أيام العلاقة بين حلف شمالي الأطلسي وثوار ليبيا، إذ أكدت فرنسا رفضها أن يحل الحلف محل قوات التحالف الدولي في ليبيا، فيما عارضت تركيا فكرة إعطائه صلاحيات كاملة لفرض منطقة حظر جوي. لكن رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، أعرب أمام البرلمان عن تأييده لتولي الحلف الأطلسي القيادة «في الوقت المناسب»، متحدثاً في الوقت نفسه عن احتمال تولي ضابط بريطاني أو أميركي أو فرنسي قيادة العملية.


وقال دبلوماسيون إن الحلف أخفق في حل الخلافات بشأن ما إذا كان يتعين عليه تولي مهمة تطبيق الحظر الجوي فوق ليبيا، إذا تراجعت الولايات المتحدة عن قيادة العملية.
وفي ضوء هذا الخلاف الدائر بين دول التحالف، يرى العديد من الثوار أن ذلك لن يفيد ليبيا، وسيضر بالعملية العسكرية، وطالبوا بحسم تلك الدول مواقفها للالتفات إلى ما يحدث داخل ليبيا، محذرين من أن قوات العقيد معمّر القذافي ستستغل هذا الأمر لتوسع عملياتها في العديد من المدن.
ويعود سبب الخلاف أساساً الى تخلّي واشنطن عن تحمّل مسؤوليات العمليات العسكرية ضدّ النظام الليبي، وخاصة لناحية التمويل والتسليح، وهو ما فجّر هذه التناقضات، التي كانت كامنة، لأن الولايات المتحدة كانت تسدّد كلّ التكاليف، إذ إن صقور الحلف الأطلسي مثل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، ورئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، يرغبون في جني المكاسب من حرب ليبيا، لكن من دون أن يدفعوا الثمن.
وكانت الوثيقة التي سرّبها ممثل المجلس الوطني الانتقالي لدى أوروبا، محمد فايز جبريل، والتي تخصّ اتفاقية وقّعت بحضور ممثلين عن قطر والإمارات والسعودية، هي التي فجّرت الخلاف داخل المجلس في كيفية التعاطي مع دول الحلف، وداخل الحلف نفسه. لذلك رأت إيطاليا وتركيا وبريطانيا أن ساركوزي يدفعها دفعاً الى حرب، قبض هو مسبقاً ثمنها، فيما ستتكبّد هي الخسائر المالية والبشرية من دون أن يكون لها نصيب في الثروة.
جبريل، الذي يُعدّ رجل بريطانيا الموثوق، سرّب الوثيقة عمداً، بدفع من الاستخبارات الانكليزية، حتى ينتقم من فرنسا التي تريد أن تأكل كعكة النفط الليبي وحدها، وهو ما أثار حنق المجلس الانتقالي الذي سارع الى عقد اجتماع طارئ، قرر بموجبه عزل جبريل عن تمثيل المجلس في أوروبا وتكليف بديل منه.
فالثوار الليبيون يتّهمون الأطلسي بأنه بطيء الحركة، وبأنه ترك ثغرة قوية حين توقّف عن القصف استطاعت من خلالها كتائب القذافي أن توجّه ضربات قاسية للثوار، كما يتّهمونه أيضاً بالارتباك في قيادة وتوجيه العمليات، وخاصة أنه يرفض الاستماع لنداءاتهم بقصف المناطق الغربية، التي يرون أنها لو تمكنت بفضل الغطاء الجوي للحلف من تسديد ضربة قوية لكتائب القذافي لخففت عنهم الضغط في محور البريقة أجدابيا، ولمكّنتهم ربّما من الالتحام بالثوار في مصراطة، الذين يتهمون الحلف بتباطؤه في تنفيذ المهمات الموكلة إليه.
على النقيض من ذلك، يرى حلف شمالي الأطلسي الذي تبدو قيادته غير متجانسة بالمرة في ما يخصّ الموقف من الوضع في ليبيا، أن الثوار غير مضموني الولاء، وخاصة بعد كشف جبريل عن الوثيقة التي تعهّد بموجبها المجلس الانتقالي لفرنسا بمنحها نسبة كبيرة من النفط الخام. وهو أمر أثار ريبة بريطانيا وإيطاليا خاصة، التي ترى أنها قامت بدور كبير في الهجمات على ليبيا، من دون أن تغنم فوائد تُذكر مقارنة بإدارة ساركوزي.
ولعلّ ما أربك موقف الحلف الأطلسي وجعله يراوح مكانه، وترك الفرصة لكتائب القذافي أن تحقّق انتصارات ميدانية لا بأس بها، هو الموقف التركي، الشريك القوي لليبيا في مجالات الإعمار والاستثمار والنفط والعمالة والخدمات وغيرها، فقد ارتأى رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، أن في مسارعة الحلف الى شنّ الحرب على النظام الليبي، خضوعاً تاماً لرغبة طرف وحيد، من دون النظر الى مصالح بلدان الحلف في ليبيا مستقبلاً إذا ما أزيح نظام القذافي. وهو الموقف الذي جلب له سخط الثوار وحلفائهم، وترحيب نظام العقيد، الذي سارع الى إرسال عبد العاطي العبيدي الى أنقرة للبحث في إمكان إغراء تركيا حتى تغيّر موقفها من نظام القذافي، وتتراجع كلياً عن الانحياز للثوار.
ولعلّ التراجع الأميركي عن قيادة العمليات على ليبيا يبقى السبب الرئيسي لضعف أداء الحلف في الأيام القليلة الماضية، وهو الذي فجّر الخلاف بين الثوار والأطلسي، إذ رأوا فيه أن الحلف غير كفء لقيادة العمليات، مستدلين على ذلك بالمجزرة التي ارتكبتها الطائرات الفرنسية ضدّ قافلة سيارات تابعة للثوار كانت منسحبة باتجاه أجدابيا، كما رأى الحلف على العكس من ذلك أن الثوار مستعجلون لإسقاط النظام وغير مدربين بالقدر الكافي، ولا هم قادرون على تحمّل مسؤولية اتفاقات دولية وترتيبات ميدانية وسياسية تُطبخ على نار هادئة.