يقول مقرّبون من الرئيس اليمني علي عبد الله صالح إنه استعاد معنوياته، للمرة الأولى منذ شهرين، حين بلغته مساء يوم الاثنين الفائت أنباء مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي للوساطة، التي رآها بمثابة طوق نجاة في اللحظة التي بدأ فيها الموقف الأميركي حياله يأخذ منحىً مختلفاً، في اتجاه مطالبته بتأمين انتقال السلطة. وظلّ صالح يرنو في اتجاه دول الخليج، وينتظر منها أن تساعده لكي يتجاوز الأزمة الأخطر في تاريخ حكمه، ولم يوفّر وسيلة إلا جرّبها لكي يخرجها عن صمتها الثقيل وحيادها الملتبس.


ولم يستطع أن يفهم السر الذي جعلها تعامله على هذا النحو، فيما كان قادة التعاون غارقين في مواجهة الأزمتين البحرينية والليبية من جهة، ومن جهة ثانية حاولوا عدم الاقتراب من تعقيدات الملف اليمني لكي لا يُحسب أي تحرك من جانبهم بأنه يصب في مصلحة طرف ضد طرف آخر، ولذلك حاولوا تغليف مساعيهم برداء توفيقي، أكثر منه محاولة لتقديم حل جذري، يساعد على تأمين مخرج نهائي من الأزمة.
تحكّمت بمبادرة دول مجلس التعاون تجاه الأزمة اليمنية جملة من العوامل، الأول هو أن الموقف الخليجي ليس موحّداً تجاه اليمن، وهو متفاوت المستويات، بين السعودية التي تحسّ بنفسها معنيّة بكل تفاصيل الوضع اليمني، وبين باقي الدول الخمس التي تتعاطى معه بدرجة أخفّ. ومن السعودية التي تتأثر وتمارس التأثير في التفاصيل اليمنية، إلى باقي الدول التي تتحرك مصالحها في الإطار العام، بقيت مسألة اتخاذ موقف خليجي موحّد صعبة ومعقدة، وغير ناضجة في الظرف الراهن.
العامل الثاني هو العلاقات التي تربط الأطراف الخليجية بالمؤثرين في الوضع اليمني، وهنا تبرز السعودية في الواجهة أيضاً، فهي على صلة مع الرئيس صالح يبدو المتحول فيها أكثر من الثابت، وما يربطها بخصومه أكثر استقراراً ووضوحاً. وليس سراً أنّ السعودية لا ترتاح لعلي صالح وتتمنّى رحيله، ولديها أسبابها الكثيرة لذلك. وليس سراً أيضاً، أنها تفضّل عليه خصومه المباشرين من القبائل وحزب الإصلاح الإسلامي.
أما العامل الثالث فيتعلق بالموقف الدولي من علي صالح ونظامه، وباستثناء طلب وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه قبل ثلاثة أسابيع من صالح مغادرة الحكم، ظلّت بعض البلدان الغربية تراقب الوجهة الأميركية العامة لتضبط ردود فعلها على إيقاعها. وبدت الإدارة الاميركية في حيرة من أمرها، وغير حاسمة في اتخاذ قرار نهائي يطالب صالح بالتنحّي، وتستند حسابات الموقف الأميركي إلى نقطة واحدة هي الحرب على تنظيم «القاعدة». ورغم أن واشنطن تدرك جيداً أن صالح لعب هذه الورقة منذ 11 ايلول على نحو يجعل منه شريكاً ضرورياً، لكنه يستدرج المساعدات الأميركية، والدعم السياسي، تعاطت معه من دون أن تمحضه ثقتها التامة، وتمكّنت في السنة الأخيرة من أن تحدّ من هامش مناوراته، حين صارت تتصرف مباشرة في معالجة هذا الملف وزجّت بأجهزة استخباراتها وقوّاتها الخاصة لمطاردة التنظيم وتوجيه الضربات في اتجاهه من دون العودة للأجهزة اليمنية. وتكشف إحدى برقيات «ويكيليكس» أن صالح منح الولايات المتحدة تفويضاً كاملاً في ملاحقة القاعدة على التراب اليمني، وتعهد لها بأن ينسب عملياتها للقوات اليمنية. ومن هنا لم يكن في وارد واشنطن البحث عن شريك يمني آخر في هذه المرحلة، لكن حين بدأت الحرارة تسري في الشارع اليمني وتصل رياح الثورة من تونس ومصر، أخذت واشنطن تفكّر في ترتيب الوضع اليمني على نحو تحافظ فيه على المنظومة الأمنية القائمة، واختارت في البداية حلّاً يجرّد صالح من جزء كبير من أوراق الحكم ويشرك أطرافاً معارضة حزبية وقبلية. لكن حركة الشارع تجاوزت سرعة الدبلوماسية الأميركية، الأمر الذي أحرج الإدارة الاميركية ووضعها أمام خيار رحيل صالح، وهنا التقت في حيرتها مع الشريك السعودي.
ورغم حيرة الرياض، يبدو هامش المناورة أمامها على الساحة اليمنية مقبولاً لتجريب ورقة البديل من صالح. وفي كل الأحوال لا تملك السعودية سوى بديل وحيد من الرئيس اليمني هو نظامه القائم على القبيلة والمؤسستين الدينية والعسكرية. من ناحية القبيلة، ظلّت السعودية على صلة جيدة بأشدّ الأطراف القبلية تأثيراً، وهم أنجال الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر الذين تربطهم علاقات وثيقة تاريخياً بالمملكة، وهم يقيسون خطواتهم على التفاهم مع الرياض ووفق صيغة تبادل المصالح. وتفيد أوساط مطّلعة بأن هناك تفاهماً بين القيادة السعودية والشيخ حميد الأحمر على ضرورة رحيل صالح، ويعود هذا الاتفاق الى اكثر من عامين، لكن تفعيله تأخر بسبب شنّ صالح الحرب على الجماعة الحوثية في النصف الثاني من سنة 2009، التي وجدت السعودية نفسها متورطة فيها باستدراج من صالح، وخرجت منها خاسرة، الأمر الذي زاد في نقمتها عليه.
مثلما تمسك السعودية بورقة القبيلة فهي على صلة وثيقة بالمؤسسة الدينية، التي تتمثل بحزب الإصلاح الإسلامي. ورغم أن هذا الحزب يستند في أساساً الى بنية إخوانية، فإنه قريب جداً من الرياض لسببين. الأول هو تأثير الثقل القبلي في داخله عن طريق أنجال الشيخ الأحمر، الذين ورثوا عن والدهم زعامة الإصلاح برئاسة عميد العائلة وشيخ القبيلة صادق. والثاني هو أن الشخصية المؤثرة عقائدياً في الإصلاح، الشيخ عبد المجيد الزنداني، يرتبط بعلاقات تاريخية وثيقة بالمؤسسة الوهابية، ومن موقعه في رئاسة مجلس شورى حزب الإصلاح وجمعية علماء الدين يستطيع أن يضمن للرياض ولاء هذا القطاع المؤثّر.
وبدورها المؤسسة العسكرية تتناغم تماماً مع إيقاع القبيلة ورجال الدين، وذلك من خلال الرجل القوي اللواء علي محسن الأحمر، قائد الفرقة الأولى ومسؤول المنطقة الشمالية الغربية. فهذا الرجل قبل كل شيء هو سلفي إخواني، وإضافة إلى أنه على تفاهم مع أنجال الأحمر قبلياً، فإنه يُعدّ الممسك بورقة المؤسسة الدينية، وهناك عامل مهم جداً يقربه من الرياض هو العداء للجماعة الحوثية، التي ينظر إليها الطرفان على أنّها خطر ديني شيعي وسياسي يمتدّ إلى إيران.
وتبيّن خلال حرب صعدة الأخيرة التفاهم المشترك على الصعيد الميداني بين علي محسن، الذي قاد حرب صعدة على الحوثيين، والسعودية. وبدا أن الرياض كانت تنسّق معه مباشرة وليس مع صالح، ولذا أخبرته أنّها تلقّت إحداثيات من صالح تطلب قصف مقرّه. وجاء في برقية من برقيات «ويكيليكس» أنّ الرياض أخبرت علي محسن بالأمر، وكان صالح يودّ التخلص منه لكونه عقبة على طريق توريث نجله أحمد.
وتقول أوساط يمنية مطّلعة إن تحرّك القبيلة والمؤسستين الدينية والعسكرية ضد صالح في الشهرين الأخيرين كان منسّقاً مع الرياض، ولذا لم تأت حركة انشقاق علي محسن من فراغ، بل جاءت وفق ترتيبات مدروسة وسط شعور السيطرة على الوضع، حتى لا تصل ثورة الشارع إلى موقع صاحبة الكلمة الرئيسية في التغيير، لذلك زج الإصلاح بأنصاره في ساحة التغيير، وأنزل علي محسن الفرقة الأولى لحماية المتظاهرين. وتقول الأوساط إن السعودية تعمل ليكون علي محسن رجل المرحلة المؤثر بعد رحيل صالح، فهو يستطيع توزيع الأدوار، وتقديم نفسه وفق النموذجين التونسي والمصري، أي أن يرحل الرئيس وأولاده، ويرعى الجيش الوضع في مرحلة انتقالية لعدة أشهر، ريثما تتّفق الأطراف على آلية جديدة للحكم.
هذا هو جوهر المبادرة الخليجية التي تقول بـ«تنحّي صالح وتسليم سلطاته لوقت قصير الى مجلس وطني». وينصّ الاقتراح على أن يكون هناك «مجلس حاكم يضمّ كل الأحزاب السياسية المختلفة والقبائل لفترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر». وسيكون دور المحادثات في السعودية «بحث الأنماط والآليات لنقل السلطة». وطرحت أوساط خليجية بعض الأسماء لرئاسة مجلس انتقالي، ومن بين هؤلاء الشيخ حميد الأحمر وعبد الكريم الأرياني، رئيس الوزراء الأسبق الذي تلقّى تعليمه في الولايات المتحدة ويعمل حالياً مستشاراً لصالح، ورئيس وزراء سابق آخر هو عبد العزيز عبد الغني.
تبدو هذه المبادرة ضعيفة وغير كافية لعدّة اسباب. الأول أنها تطيح رأس النظام وتبقي على النظام بواجهة نصفها جديد ونصفها عتيق. فالشيخ حميد الأحمر لا يخفي طموحه الرئاسي، وإن كان لا يرى أن وقته حان، فهو يفضّل في المرحلة الأولى رئيساً جنوبياً من منطلق الحفاظ على الوحدة، لكن سببه الأساسي هو مصالحه في الجنوب حيث يمتلك قرابة 40 شركة تعمل هناك. وقدّم حميد الأحمر نفسه للأميركيين منذ نحو عامين، وطرح أمامهم صيغة متكاملة لرحيل صالح، واتفق مع الرياض على الترتيبات كلها. أمّا الأرياني فمعروف عنه أنه العقل المفكّر لعلي صالح، ويتّسم بأنّه قريب جداً من الولايات المتحدة واللوبيات الدولية المؤثرة، لكن لا تأثير له على المستوى الداخلي، وغير مسنود بأي عصبية قبلية أو مناطقية. والشخص الثالث المطروح هو عبد العزيز عبد الغني، الذي يتحدر من مدينة تعز صاحبة الثقل في الثورة الشبابية، ويعدّ شخصية ضعيفة، ومثله مثل الأرياني من دون تأثير قبلي أو مناطقي أو عسكري، وهو رجل صالح في كل العصور.
ويرى مصدر مطّلع أن الإتيان بهؤلاء الثلاثة، أو أحدهم، من شأنه أن يعقّد الموقف أكثر ممّا هو عليه، وربما نقل حركة الشارع الى مستوى جديد، وخلق انقسامات ذات بنية حادّة.
والسبب الثاني هو أن الجماعة الحوثية ذات الثقل الكبير في الشمال، التي تسيطر على مساحات شاسعة على الحدود السعودية، في صعدة والجوف وحتى حدود صنعاء، ليست على وفاق مع حزب الإصلاح ولا مع علي محسن. وبالإضافة الى ماضي الحروب العسكرية، يظلّ الجانب المذهبي قوياً وله دور في الصراع. لذا يتحرك الحوثيون من أجل عقد تحالفات لموازنة المعادلة السعودية مع أطراف أخرى مثل الحراك الجنوبي، وهنا يكمن السبب الثالث. فالحراك، الذي يمثل حركة جنوبية شعبية واسعة، يتحرّك حتى الآن على قاعدة فك الارتباط والعودة الى الوضع السابق للوحدة في دولتي الجنوب والشمال، وهو يقف في الموقع المواجه للإصلاح وعلي محسن. وقد توقف الحراك عن رفع شعار الانفصال مؤقتاً، إلى حين رحيل صالح، لكن زعماءه يؤكّدون أنّهم خارج معادلة الترتيبات في الشمال، ولذا أخذوا يتحرّكون في اتجاه السيطرة على مناطق جنوبية في حضرموت وشبوة وأبين والضالع وردفان ولحج وأجزاء من عدن.
ترتيبات وصول علي عبد الله صالح للحكم بدأت في الرياض قبل 32 سنة، وها هي تستعدّ لبحث صيغة رحيله. التاريخ يكرر نفسه على نحو مقلوب. تغيّرت الوجوه لكن المسرحية نفسها، مع فارق وحيد هو أن الشارع صار عنصراً أساسياً في المعادلة.