تعز| ضاقت السبل جميعها بالرئيس اليمني علي عبد الله صالح، ولم يعد أمامه سوى قبول أي مبادرة لها أن تحفظ له ما بقي من ماء وجهه، وخصوصاً مع إعلان الإدارة الأميركية أن وقت حدوث انتقال سلس وآمن للسلطة قد صار أمراً ملحاً. وغداة هذا التصريح، تحرّكت فعليّاً على الأرض، عبر زيارة عاجلة لوزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، إلى الرياض، وهي الثالثة له في غضون شهر، للتباحث مع المسؤولين السعوديين في مجموعة من القضايا، في مقدمتها اليمن.

ولم يمض وقت قصير على هذه اللقاءات حتى خرجت إلى العلن مبادرة دول الخليج العربي لحل الأزمة الراهنة في اليمن. وبحسب مصادر صحافية مطلعة، فإن عملية التنسيق الخليجي لتقريب وجهات النظر بشأن المبادرة المطروحة، قام بها سفراء السعودية وقطر وسلطنة عمان، الذين زاروا صالح أول من أمس، ثم التقوا قادة أحزاب اللقاء المشترك في مبنى السفارة السعودية في صنعاء، حيث وضعوا بين أيدي جميع الأطراف تفاصيل المبادرة الخليجية.
وتقول بنود المبادرة الخليجية المطروحة بتنحي الرئيس علي عبد الله صالح عن الحكم ونقل صلاحياته إلى نائبه اللواء عبد ربه منصور هادي، وتقديم ضمانات إلى الرئيس صالح بعدم ملاحقته قضائياً هو وعائلته ونظامه، وعدم محاسبته عن الجرائم التي ارتُكبت في حق المعتصمين الشباب منذ بداية ثورة الشباب اليمنية، التي ذهب ضحيّتها نحو 120 شاباً سقطوا بنيران قوات الأمن ورجال أمن يرتدون زياً مدنياً.
وفيما لم يصدر أيّ رد فعل رسمي من جانب سلطة نظام صنعاء حيال المبادرة الخليجية، أظهرت أحزاب اللقاء المشترك تحفظاً واضحاً بشأن نقاش النقطة الأولى من المبادرة، المتعلقة بمطلب تنحي الرئيس صالح من السلطة، فيما لم تصدر أي ردود تجاه بقايا النقاط الواردة، في الوقت الذي أدلى فيه الرئيس الدوري لأحزاب اللقاء المشترك ياسين سعيد نعمان بتصريح لقناة «الجزيرة» القطرية مساء أول من أمس، أوضح فيه أن المبادرة الخليجية قرأت الواقع اليمني بإيجابية، ونظرت إلى حاجته في اللحظة الراهنة إلى مثل الأفكار التي حملتها. إلا أنه أشار إلى إن أحزاب اللقاء المشترك طرحت على سفراء دول الخليج ضرورة أن تعرض المبادرة على قوى أخرى في الساحة اليمنية، على رأسها الشباب المعتصمون في الساحات، وكذلك الاتصال بقوى سياسية أخرى كالحراك الجنوبي وجماعة الحوثيين ومعارضة الخارج.
وقال ياسين «نحن كأحزاب اللقاء المشترك كانت لدينا بعض الملاحظات على المبادرة، وأبلغنا سفراء دول الخليج بها، ومن الضروري أن يجري الاستماع إلى الشباب في الساحات، لكن الاتجاه العام أنه في اللحظة الراهنة فإنّ الجهد المبذول كان ضرورياً لإخراج اليمن من هذه الأزمة، والمبادرة لبّت إلى حد كبير هذه الحاجة».
وقد تنوعت ردود الأفعال تجاه هذه المبادرة الخليجية في صفوف الشباب الموجودين والفاعلين في «ساحة الحرية» في مدينة تعز، حيث أبدى الشاب الصحافي المستقل أحمد شوقي تحفظه حيال أي مبادرة تكون المملكة العربية السعودية طرفاً فيها، إذ إن «تاريخ هذه المملكة طويل ومشهود في نسج المؤامرات ودعم السلطة الفاسدة في صنعاء، كي تبقي الوضع على ما هو عليه».
وأضاف إن خوف المملكة السعودية الدائم من اليمن يكمن في انتقالها إلى دولة ديموقراطية مستقرة، بما يمكن أن يرتدّ سلباً على المملكة نفسها، مؤكداً في الوقت ذاته على «خطورة القفز على محاكمة المسؤولين عن جرائم القتل التي ارتُكبت بحق إخواننا الشباب بدم بارد».
في المقابل، كانت للشاب أحمد الورافي، من شباب التجمع اليمني للإصلاح، نظرة أخرى تجاه المبادرة، حيث أكد أن «قبول هذه المبادرة وتوافق مختلف الأطراف السياسية عليها، وتوفير مخرج آمن للرئيس علي عبد الله صالح وأقربائه، تعدّ جميعها مدخلاً أولياً لتحقيق نجاح أول أهداف ثورتنا الشبابية».
وقد ذهب في الوقت نفسه إلى الدفاع عن قبول إعطاء ضمانات للرئيس علي عبد الله صالح وأقربائه، ضمانات بعدم الملاحقة القضائية لاحقاً بعد تخليه عن السلطة. وقال الورافي «إن مسألة إعطاء ضمانات للرئيس صالح وأسرته بعدم الملاحقة القانونية ليست في يد أحد، أو ملكاً له يمنحها كيفما شاء»، مؤكداً أن ما اقتُرف يُعدّ من نوع الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، ويمكن النظر فيها في أي وقت، «ما يهم أن يخرج الآن من الحكم».
وفي سياق متصل باعتصام الشباب في «ساحة الحرية» في مدينة تعز، سقط أمس قتيل واحد على الأقل في عملية إطلاق نار على الشباب المحتجين أمام مبنى المحافظة. وكان الشباب قد خرجوا صباح أمس في مسيرة حاشدة، هي السادسة التي تخرج من نطاق ساحة الاعتصام لتجوب شوارع المدينة، وهتف الشباب بشعارات تقول ببطلان حكم الرئيس صالح ونجله أحمد، منددين بالجرائم التي يرتكبانها في حق المعتصمين الشباب في مختلف المحافظات اليمنية، مؤكدين في شعاراتهم أنه «لا حوار أو مبادرات إلا بعد سقوط
النظام».