بعدما اجتازت سيارة السرفيس حاجز الجيش على أحد مداخل مخيم عين الحلوة، تصل الى الشارع الفوقاني في عين الحلوة. والشارع هو أحد الشارعين الرئيسيين داخل المخيم. طوال «العبور» تتأرجح إطارات السيارة ومن فيها، على إيقاع عدد الحفر المزروعة على طول الطريق وعمقها. وبصعوبة مشابهة، توجّه السرفيس إلى «همزة الوصل» أي الطريق التي تربط الشارع الفوقاني بالتحتاني، وهنا يبدأ مشهد الأكشن، مع سلوك إحدى السيارات، عكس السير، هذه «الوصلة» بين الشارعين، متعدّية على أفضلية المرور، لتتبعها سيارات أخرى، إلى أن تصطدم بموكب من السيارات في الجهة المقابلة. هنا وقف الطرفان كأنهما جبلان، وبسبب ضيق الطريق، شلّت حركة المرور، وجمدت السيارات في أرضها، وقد تعذر عليها الرجوع أو التقدم. وتعقدت الأمور أكثر فأكثر، وامتدّ الشلل والزحمة إلى الشارعين الرئيسيين، خصوصاً مع غياب أي هيئة مكلّفة بتنظيم السير في المخيّم. هكذا علا صراخ السائقين، وترجل أحدهم من سيارته ليلقي تبعة «أصل المشكل» على الآخر. وبالطبع، تطور الأمر إلى عراك بالأيدي، ما استدعى تدخّل أحد الفصائل الفلسطينية على الأرض بمؤازرة من وجهاء المخيم لتهدئة روع السائقين، وبعد أخذ وردّ وهدر الكثير من الوقت، انتهي المشهد على خير، دون خسائر تذكر.

انتهى هذا المشهد، لكن مسلسل الزحمة الخانقة لم ينته. مسلسل بات يشبه زحمة شوارع الحمرا او مداخل العاصمة، وذلك لأسباب إضافية مختلفة ليس أقلها بحسب ما يشرح أبو المعتصم تيسير، رئيس اتحاد لجان حق العودة في صيدا، «ضيق الشوارع التي لا يتعدّى عرضها أربعة أمتار، وهي أساساً شوارع قليلة، بحيث تنقسم إلى شارعين أساسيين، وبعض الشوارع الصغيرة أو بالأحرى الزواريب القليلة التي تربط هذين الشارعين وهي طبعاً أضيق من الشوارع الأساسية. أما باقي أرجاء المخيم، فعبارة عن أزقّة ضيّقة بالكاد يستطيع أن يمر فيها شخص واحد».
ويكشف أبو المعتصم عن أن «التعديات في البناء على الأملاك العامة، التي ترافقت مع ازدياد التعداد السكاني وضيق المساحة الجغرافية في المخيم، ساهمت بنحو أساسي في تقليص عرض الطرقات». ويتذكّر الرجل أن عرض الشوارع كان قبيل التسعينيات يصل إلى عشرة أمتار. يتابع أبو المعتصم معدّداً الأسباب الأخرى «إن عدم تأهيل شبكة البنية التحتية في المخيم، ومنها الطرقات، يساهم في عرقلة المرور، إذ إن أعمال التزفيت لم تطله منذ أكثر من عشر سنوات، وهذه الأعمال رهن المشاريع التي تطال المخيم عبر المساعدات، لكون الأونروا تكفّ يدها عن التزفيت على أنّها خارج نطاق أعمالها. إلى ذلك فإن موقع المخيم في منطقة منخفضة مع غياب شبكة لصرف مياه الأمطار التي تأتي من المناطق الأكثر ارتفاعاً منه، كل ذلك يحوّل طرقاته شتاءً إلى أنهار ومستنقعات تملأ الحفر التي تنهش الطرقات وما قد يكون موجوداً من طبقة زفت رقيقة. عدا ذلك فإن شبكتي الصرف الصحي والمياه التي بدورها هي الأخرى مهترئة، تمرّ في شوارعه، مخترقة الطريق».
ويبقى غياب الجهة الأمنية المسؤولة عن تنظيم حركة السير في مخيم عين الحلوة سبباً بنيوياً وأساسياً لاندلاع الإشكالات حول أفضلية المرور، وهي «إشكالات» تصل إلى حد الضرب والإيذاء، وإلى تجميد السير في شوارعه لفترة طويلة، علماً بأن هذه المهمة، بحسب ما يشير عضو اللجان الشعبية في صيدا فؤاد عثمان «من المفترض أن تناط بالكفاح المسلح، وهو الجهة الأمنية الرسمية ـــــ الفلسطينية، الموكل إليها أمر حماية المخيم أمنياً، وبالفعل هذا ما كان قائماً حتى التسعينيات، بيد أن فاعلية هذه الجهة باتت ضعيفة وشبه مشلولة منذ عام 2000، إذ إن عناصر الكفاح هم محدودون عددياً أصلاً، وباتوا متقدمين في السن، لانعدام دخول أي دم جديد إليه. كذلك الإمكانات باتت محدودة، ما يجعل دوره شكلياً ينحصر فقط بوجوده على حواجز المخيم». ومع غياب المرجعية الأمنية يبقى على ابن المخيم أن «يقلع شوكه بإيدو»، خصوصاً، بحسب أبو المعتصم «أن حل مشكلة السير متشعب، لكون المشكلة الأساسية تكمن في ضيق عرض الطرقات التي تستحيل إعادتها الى ما كانت عليه سابقاً، بمعنى هدم المنازل المتعدية عليه، خصوصاً في ظل الازدحام المتزايد وضيق الرقعة الجغرافية»، وعليه يقترح أن يصار إلى اعتماد «شارع للدخول إلى المخيم وآخر للخروج منه، بيد أن هذا الاقتراح غير عملي خصوصاً أنه ستكون هناك نقطة التقاء للسيارات الخارجة منه والداخلة إليه في الجهة الجنوبية من المخيم». يقول الرجل ذلك ثم يصفن لبرهة في هذه المشكلة المضافة إلى لائحة صعوبات العيش الفلسطيني.
يبقى أن نشير إلى أن أكثر ضحايا ضيق الطرقات، بحسب ما يكشف عثمان هم «تلامذة المدارس الأصغر سناً»، فبسبب غياب الأرصفة يضطر هؤلاء، الذين يخرجون بالمئات من مدارسهم سيراً على الأقدام، إلى السير جنباً إلى جنب وإطارات السيارات، ما يؤدي في الكثير من الأحيان إلى دهس أرجلهم أو دهسهم حتى، وهو ما حصل أخيراً مع الطفلة سعاد حسين (7 سنوات)، بحيث تعرضت لحادث صدم أدى إلى كسر في رجلها، وهو أمر قد تكرر ويتكرر أكثر من مرّة مع غيرها.




رغم ما تعرضت له اليابان من كوارث طبيعية مدمرة، وأضرار خرافية، «لم تتوقف عن مدّ يد العون إلينا»، يقول فؤاد عثمان الناطق باسم اللجان الشعبية الفلسطينية مسترسلاً، «بعدما نكثت الكثير من الدول بوعودها تجاه شعبنا، وليست السعودية الأخيرة، توجّهنا إلى الحكومة اليابانية، لكونها الأصدق، فبعد إعلاننا التضامن معها توجهنا بكتاب طالبين فيه تغطية مشروع البنى التحتية في المخيم بما فيه الطرقات التي تصل كلفتها إلى 7 ملايين ونصف مليون دولار»، بيد أن هذه المساعدة وإن كانت ستساهم في تأهيل الطرقات، لن تحلّ المشكلة.