لم يكن الموقف التركي حيال التدخل العسكري الغربي في ليبيا، نابعاً من فراغ؛ فالدولة العثمانية الحديثة الساعية إلى تصفير المشاكل مع دول الجوار، تربطها مصالح عميقة مع الجماهيرية العربيّة الغنية بالنفط.

لقد دخلت الحكومة التركية في المسألة الليبية بقوة، من خلال مساعدات إنسانية ومبادرات سياسية ومشاركة عسكرية للمراقبة البحرية. دخول بدا كأنه عامل توازن ضروري لعدم تكرار مشهد العراق في الهضبة الأفريقية.
لكن أنقرة في الوقت عينه، لعبت بتوازن أيضاً بين متطلبات شعبها في الداخل، ودورها الإقليمي بوصفها قوة لا يُستهان بها اقتصادياً وعسكريّاً، ولا سيما أن تركيا هي الدولة الثانية من حيث حجم القوة البرية في حلف شمالي الأطلسي.
لقد بدا الموقف التركي واضحاً في تذبذبه وتردّده حيال التدخل العسكري في ليبيا، منذ بداية الأحداث التي شهدتها الجماهيرية في 15 شباط الماضي. موقف نشأ من اعتبارات اقتصادية وأمنية، حيث يعمل في ليبيا أكثر من 25 ألف مواطن تركي، إضافة إلى شركات تلتزم عقوداً في البناء والنفط. وتطور هذا الموقف حسب مجريات الأزمة ليصل إلى أن تكون لأنقرة حصة الأسد في المراقبة البحرية، لمنع دخول السلاح إلى قوات القذافي، مع استمرار موقفها الرافض للغارات الجوية، وحفاظها على شعرة معاوية مع النظام الليبي.
وخلال مفاوضات طويلة وشاقة مع حلفائهم في الأطلسي، طالب الأتراك باستراتيجية عسكرية واضحة في ليبيا، فيما كانت طائرات التحالف الدولي بقيادة أميركية فرنسية بريطانية تلقي القذائف على القوات الحكومية في ليبيا.
وبدت أنقرة حريصة كل الحرص على عدم تعرض جاليتها ومصالحها في ليبيا للخطر، فكان موقفها المتأني نابعاً من هذا الحرص، الذي سرعان ما تبلور موقفاً آخر بعد إجلاء معظم الأتراك من منطقة النزاع، فيما كانت المعارضة القومية في الداخل تضغط على الحكومة لعدم التدخل في شؤون خارجية.
وحاولت تركيا عدم إغضاب النظام والثوار في ليبيا، في آن واحد، حيث باتت عالقة بين مصالحها الاقتصادية الكبيرة في البلاد، وضغوط حلفائها في الحلف الأطلسي لمشاركتها في الخيار العسكري.
لكن الحكومة ذات التوجه الإسلامي أذعنت أخيراً للقرار الدولي بالمشاركة، حيث «لم يكن هناك مهرب من انخراط تركيا في العملية العسكرية»، حسبما قال المحلل السياسي التركي سميح إيديز. وسارعت بعد ذلك إلى إرسال أربع فرقاطات وسفينتين وغواصة، من أصل 16 قطعة بحرية شاركت بها دول متعددة لمراقبة السواحل الليبية.
لقد حرصت تركيا منذ البداية على عدم الدخول في شبهة المشاركة بعمل وصفه رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان بـ«حملة صليبية»، وراعى هذا الأخير في مواقفه الناخب التركي، الذي يستعد لعملية اقتراع برلمانية في حزيران المقبل، حيث سيترشّح رئيس الوزراء لولاية ثالثة. فحسب رأي المحلل إيديز، إن حذر أردوغان هو بسبب أن «التركي العادي يرى التدخل في ليبيا هجوماً غربياًَ جديداً على بلد مسلم، كما حصل في أفغانستان والعراق».
بيد أن تركيا برّرت مشاركتها في المراقبة البحرية بأنها تدخل ضمن آليات القرار الدولي الصادر عن مجلس الأمن الرقم 1973، الذي يعطي أي مشاركة من هذا «شرعية دولية». وحرصت في الوقت نفسه على أن تبدو حريصة على ثروات دولة إسلامية، كانت تاريخياً في كنف الدولة العثمانية، معرّضة للفوضى والنهب الدولي مثل العراق وأفغانستان؛ فهي تعارض بوضوح «تدخلاً أجنبياً في ليبيا، الدولة الصديقة والشقيقة».

وذهب الرئيس التركي، عبد الله غول، أبعد من ذلك، حين قال إنه يتشكك في أن بعض حكومات التحالف لديها دوافع خفية وأن ليبيا قد «تُنهب» كما حدث مع العراق، فيما قال في مناسبة أخرى: «أتمنى ممن لا يرون سوى النفط ومناجم الذهب والكنوز الموجودة تحت الأرض حين ينظرون إلى هذا الاتجاه، أن ينظروا إلى المنطقة من خلال نظارات الضمير من الآن فصاعداً».
وكان غول من خلال هذا الموقف يرد على وزير الداخلية الفرنسي، كلود غيون، الذي أعلن أن الرئيس نيكولا ساركوزي «تصدّر حملة صليبية لحشد دعم مجلس الأمن الدولي والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي» لمنع ارتكاب مذابح في ليبيا.
وربما أدى الحذر التركي دوراً إيجابياً في تخفيف حدة التدخل الأجنبي في ليبيا، حين أصرّ رئيس الحكومة الحاصل على جائزة القذافي الدولية لحقوق الإنسان عام 2010، على ضرورة قيام عمل مشترك بين حلف الأطلسي وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي، في العمليات، محذراً بدوره من تكرار مشهد العراق وأفغانستان في الهضبة الأفريقية.
قد يكون هذا السياق الذي سارت فيه السياسة الخارجية التركية التي استقبلت الأسبوع الماضي مندوبين من المعارضة والسلطة في ليبيا ضمن مبادرة لحل الأزمة، متناغماً مع حرص أنقرة، التي نجحت في تسلم دفّة العلاقات الاقتصادية مع العديد من دول العالم، على حفظ مكاسبها في الجماهيرية؛ فشركات البناء التركية العاملة في ليبيا منذ فترة طويلة، تملك استثمارات بقيمة 15 مليار دولار، حسبما تشير البيانات الاقتصادية في أنقرة. مكاسب بدا الحفاظ عليها ملحّاً لدى المسؤولين الأتراك. وحذر وزير الأشغال العامة والإسكان، مصطفى ديمير، من أن العمليات العسكرية الجارية في ليبيا ستؤثر سلباً على عمل الشركات التركية. وقال إن قطاع البناء في تركيا قد ينتقل للتركيز على البلقان والقوقاز ومناطق أخرى في الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة.
أما حجم الاستثمارات، فقد كان مرشّحاً قبيل اندلاع الثورة للتزايد بسرعة؛ فبحسب تقرير نشره موقع «ليبيا أون لاين» في شهر شباط الماضي، كانت تركيا تخطط لاستثمار 35 مليار يورو في البنى التحتية الليبية خلال الأشهر العشرة المقبلة. وبحسب الكاتب التركي عمر تاج بينار في صحيفة «زمان»، تقدَّر الاستثمارات التركية في ليبيا، وتحديداً في شركات الإنشاءات، بمبلغ يراوح بين 8 و13 مليار دولار.
وجاء في تقرير لمؤسسة «جايمس تاون»، أن شركات الإنشاء التركية تغلغلت في السوق الليبية، ووُقِّعت عقود ضخمة منذ عام 1970. وبعد وقف العقوبات الدولية على ليبيا في عام 2000، ازدهرت المصانع لخلق فرص عمل جديدة.
ولم يقتصر الاستثمار التركي على العمل في البنى التحتية وبعض المجالات النفطية، بل تعداه إلى تسلم موظفين أتراك لأسواق ليبية ضخمة. عبّر عن ذلك أحد المستثمرين الأتراك بقوله: «أتينا إلى ليبيا أولاً مقاولين. الآن، نحاول إحضار تجار تجزئة أتراك إلى البلد للعمل في المراكز التجارية الكبرى في المدن الليبية».
وفي السنوات الأخيرة، ارتفعت صادرات تركيا إلى ليبيا لتبلغ ملياري دولار في عام 2010، حسبما أوردت «سي إن إن تورك».
وعلى المستوى الزراعي، كان لتركيا دور رائد في تطوير حقول زراعية داخل البلد الأفريقي الصحراوي، حيث منحت ليبيا 60 ألف هكتار من الأراضي للمستثمرين الأتراك. وكان هذا النوع من التعاون مدار نقاش عميق بين وزير الزراعة والشؤون القروية التركي، مهدي إكر، وأمين اللجنة العامة الشعبية الليبي لشؤون الملاحة والمصادر الحيوانية، أبو بكر مبارك، في طرابلس في كانون الثاني الماضي.
أما المنتجات التي تسعى إليها الجماهيرية، فكانت من القمح والذرة، على أن تصبح ليبيا بوابة تركيا نحو أفريقيا، الغنية بالأراضي الخصبة وخزان الغذاء الضخم.
بسبب هذه العوامل السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية، بقيت أنقرة محتاطة في تعاطيها مع الملف الليبي. بمعنى آخر، لا تريد قطع روابطها مع المعارضة الليبية ولا مع نظام القذافي، وفي الوقت نفسه تعلن أنها ضد العقوبات وضد منطقة فرض حظر جوي، أو أي تدخل عسكري في ليبيا.