تعز | بدأ الخلاف مبكراً وانطلقت الهواجس متخوفة من طغيان الصوت الواحد على «الثورة»، ومن صبغ «المنصة» بلون واحد يقول بهوية حزبية بعينها، لكن المطالبات كانت كبيرة وتقول بضرورة طيّ الخلافات وتركيز العمل على إسقاط النظام ونجاح الثورة، إلّا أنّ ما حدث لاحقاً كان أكبر من أن يبقى حبيساً ولا يظهر للعلن.


لا يتقن شباب الاتجاهات اليسارية والمنتمون إلى منظمات المجتمع المدني، وهم من نزل قبل الجميع إلى الساحة، تنظيم أنفسهم على نحو جيد، كما لا يجيدون مهارات الإمساك بالمنصة وبالمايكروفون، لذلك وجد شباب التجمع اليمني للإصلاح الطريق سالكاً عندما جاؤوا إلى ساحة الاعتصام. وعلى العكس تماماً من شباب الإخوان في الثورة المصرية، الذين بقوا طول أيام الثورة في خلفيتها غير مهتمين بتقديم خطابهم إلى العامة، صعد شباب التجمع اليمني للإصلاح إلى المنصة ورتبوا برنامجاً خاصاً بهم ليكون البرنامج الناطق باسم الجميع، ومتّسماً بنبرة خطاب دينية بحتة تمجّد فكرة الاستشهاد والزهد تجاه قيم الحياة، وهو ما أصاب شباب التيارات الأخرى في العمق.
يقول الشاب معتز أحمد، من تيار الحزب الاشتراكي اليمني، ويقيم في «ساحة التغيير» أمام جامعة صنعاء، إنهم «ليسوا ضد فكرة التضحية بالنفس في سبيل الدفاع عن فكرة ما، لكن ينبغي ألّا تكون هذه الفكرة منفلتة ومبدأً عاماً بالمطلق»: «هدفنا من هذه الثورة خلق حياة جديدة للمواطنين ولأنفسنا، وينبغي أن نعلي من أجل هذا الأمر فكرة الحياة وتقديسها».
وقد تفاقم الخلاف على هذه النقطة عندما قدّمت اللجنة المشرفة على منصة الخطابة في «ساحة التغيير» مجموعة من الشباب، بينهم أطفال، وهم يرتدون أكفاناً كُتب على كلّ منها: «مشروع شهيد». وهو الأمر الذي التقطه إعلام النظام الحاكم الذي استغل الفرصة، مندداً باستخدام الأطفال في هذا الأمر.
ويؤكّد معتز أن «الشعب اليمني شعب مسلم وعقائدي بطبعه، وهذا أمر لا يمكن المزايدة عليه»، لكنه يعتقد أن «عملية الحرص في توجيه الخطاب وعدم تجييره لمصلحة اتجاه محدد بعينه سيعطي فكرة إيجابية عن التعددية التي ستحملها الثورة لأبناء البلد».
بدوره، يقول أمجد (اسم مستعار)، من شباب التجمع اليمني للإصلاح، إنهم لم يتعمدوا احتكار الخطاب في الساحة أبداً، وإنهم يرحبون دائماً بأي مشاركات من الشباب الموجودين في الساحة مهما كان توجههم الفكري والسياسي، معللاً تفردهم بالمنصة بأنه «لا أحد منهم يطلب منا المشاركة». اللافت في الأمر أن هذه الخلافات تكرر نفسها في «ساحة الحرية» بمدينة تعز، حيث جاء شباب التجمع اليمني للإصلاح في وقت لاحق لنزول شباب مستقلين إلى الساحة، وهم غالبية مكونة من سائقي الدراجات النارية، انضم إليهم لاحقاً شباب الاشتراكي وتجمع الإصلاح من بعد، ليحدث الأمر نفسه بسيطرة شباب الإصلاح على المنصة، وليمرروا خطاباً واحداً يصبغه لون واحد.
يقول أحمد «لا يمكن أن نستوعب خطاباً شاباً يهدد من فوق منصة ناطقة باسم شباب الثورة بالوعيد الذي سوف نلاقيه في القبر من عذاب، هذا خطاب لا يمكن أن يكون متوافقاً مع طبيعة اللحظة التغييرية الراهنة»، لكن عند مصارحته بأنّ سبب سيطرة شباب التجمع اليمني للإصلاح على منصة الخطابة، إنما يعود إلى تقاعسهم هم وعدم وجود قدرة تنظيمية تساعد على تقديم أنفسهم على نحو جيد، يرد قائلاً «قد نوافق على هذا الطرح، لكن هذا لا يبرر أن يتلون خطاب المنصة بلون واحد ويقول بهوية جهة ما بعينها».
إلى هذا تكررت، ما وصفها شباب الاشتراكي، بـ «هفوات» كان يمكن تجنبها بسهولة، وحدثت في مرات عديدة على منصة «ساحة التغيير» في جامعة صنعاء، حيث استُضيف رجل الدين الأصولي عبد الوهاب الديلمي ليكون خطيب الجمعة الثانية، في الأيام الأولى لبدء الاعتصام في الساحة، وهو رجل الدين المعروف بالفتوى الشهيرة التي أطلقها أثناء حرب صيف 1994 بين القوات الشمالية والقوات الجنوبية، وتقول بجواز قتل الجنوبيين، إذا كان في ذلك وسيلة لتدمير النظام الاشتراكي الملحد.
كذلك وقعت اللجنة المشرفة على المنصة في خطأ ثان عندما سمحت لرجل الدين الآخر، رئيس جامعة الإيمان، عبد المجيد الزنداني، باعتلاء المنصة والتبشير بقيام دولة الخلافة الإسلامية من ذلك المكان. وهو الخطاب الذي أثار مشاعر السخط لدى شباب منظمات المجتمع المدني المستقلين وتيار الحزب الاشتراكي المطالبين بقيام الدولة المدنية ودولة المواطنة المتساوية، كما وجدوا، بحسب الشاب محمد العلي، أن «هذا الخطاب يستعدي مشاعر الغرب ضد شباب الثورة، في وقت ينبغي فيه الحرص على كسب الجميع وعدم خسارة أي طرف داعم للثورة»، مؤكداً أنهم يرغبون في توحيد الخطاب باتجاه «خطاب مدني لا يتناقض مطلقاً أو يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية».
وفي نفس الاتجاه، أدى انضمام اللواء علي محسن الأحمر إلى صفوف مؤيدي مطالب ثورة الشباب اليمنية إلى لغط كبير بشأن الحدود التي سيلزمها هذا العسكري المعروف بدفاعه عن الاتجاهات السلفية ورعايته لها، وكان له دور كبير في رعاية الشباب العائدين من أفغانستان، وكان له كذلك دور كبير في حسم حرب صيف 1994 عن طريق إشراكه هؤلاء الشباب ودعمهم حتى اللحظة الأخيرة وسقوط عدن، كما أعلن كثيرون خشيتهم من انحراف مسار الثورة عن نهجها السلمي، لكن في الاتجاه الآخر، لا يرى شباب الإخوان تخوفاً من هذا الانضمام، وعدُّوه مكسباً لهم، معللين أنهم لم يتعرضوا بعد انضمام اللواء علي محسن إليهم لأي هجوم أو اعتداء من جانب رجال أمن النظام، أو من طرف «البلطجية»، الذين يسيّرونهم.
وبين هذا التخوف وذاك الاطمئنان، يبقى حق الاختلاف مشروعاً ووجود أكثر من صوت واتجاه داخل الساحات، إنما يبقى من مصلحة الثورة وفي سبيل تدعيم نهجها الديموقراطي والسلمي، وهو الأمر الذي استرعى انتباه عدد من شخصيات أحزاب اللقاء المشترك، بعد تسلّمها شكاوى من كوادرها الشابة بخصوص الاحتكار الموجود في الساحة من جانب شباب حزب التجمع اليمني للإصلاح، وهو ما نتج منه إجراء لقاء كبير ضم قيادات عليا من أحزاب اللقاء المشترك وممثلين من شباب المنظمات المدنية والحزب الاشتراكي اليمني. طُرحت في اللقاء كافة الإشكاليات والتحديات التي تقف أمام استمرار بقاء شباب الساحات على وحدتهم وتماسكهم. وقد خرج الجميع برؤية جديدة وطريقة عمل تتيح وجود كافة الأصوات في الساحة، بحيث لا يُحتكَر لمصلحة جهة أو تيار بعينه.




علي محسن والسلطة


أكد اللواء اليمني علي محسن الأحمر (الصورة) دعمه لثورة الشباب السلمية في بلاده، نافياً أي طموحات سياسية لديه. وقال الأحمر، لدى استقباله جمال بنعمر مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الى اليمن، «سيبقى الجيش مؤسسة وطنية من مؤسسات الدولة تحت أي سلطة لدولة مدنية يختارها الشعب، وشخصياً لا أسعى إلى تسلّم أي سلطة في المستقبل».
وقال اللواء الأحمر «دعم الجيش وتأييده لثورة الشباب السلمية جاءا استجابة لنداءات الشعب للجيش في حمايته من القتل والقمع والترهيب والترويع، التي يتعرض لها المعتصمون من جانب النظام وبعض الأجهزة الأمنية والحرس الجمهوري والحرس الخاص التابع للنظام». وأضاف إن «هذه الثورة هي ثورة شعبية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، حيث تماهت فيها كل ألوان الطيف السياسي، وكل فئات المجتمع اليمني وشرائحه».
(أ ف ب)