يتمتع الدكتور ياسين سعيد نعمان بالنفَس الطويل وبرودة الأعصاب، ومن يلتقيه ويستمع الى آرائه يظنّ لوهلة أن هذا السياسي الهادئ قد هبط بالمظلة لتوّه من السويد، فردود أفعاله ومحاكماته تتسم بالتأنّي والبعد عن الانفعال.


هو مزيج بين اليمني القديم ورجل الاقتصاد الحديث والحزبي الطهراني الذي تربى على الشعارات الكبرى لمرحلة الستينيات. يتحلى من تراث البلاد، التي توصف بالسعيدة، بفضيلة الصبر في فضاء يطحن الساسة ويمضغهم ويرميهم كما أوراق القات. ولأنه من صنف الرجال الذين يعرفون أين يضعون أقدامهم، فإنه استطاع أن يبقى على قيد الحياة السياسية طيلة العقود الثلاثة الأخيرة، التي كانت حافلة بالمتغيرات السريعة جنوباً وشمالاً. وفي كل مرة وصل فيها الى موقع القيادة، ترك بصمته الخاصة، وأثار من حوله الإعجاب والاحترام، ذلك أنه تمكّن من حماية نفسه جيّداً من آفتين كبيرتين، هما: غواية السلطة والفساد، وحقق معادلة صعبة متسلحاً بطاقة داخلية استثنائية ميّزته عن أقرانه الذين احترقوا وهم يلهثون وراء السلطة والمال.
وصل إلى مواقع متقدمة في الدولة، وكلما كان يحتل مكاناً كانت تنتظره مهمات صعبة شبه مستحيلة، حيث كان عليه دائماً أن يعيد الأمور الى نصابها في بلاد تختلط فيها الأوراق، ويصعب فيها السير على إيقاع رجل الاقتصاد المنظم. ولأنه دخل السياسة من باب الاقتصاد، كان عليه في سنة 1986 أن يقبل بمنصب رئيس الوزراء في دولة الجنوب، وهو لم يبلغ الأربعين بعد. ولم يمض عليه وقت طويل في تجربة الحكم، التي دخلها خبيراً اقتصادياً بعد نيله الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة بودابست. وحين تسلّم رئاسة الوزارة في الجنوب، كانت أمامه مهمة شاقة، وهي إنجاز الإصلاح الاقتصادي في وقت كان فيه الجنوب مثقلاً بنتائج الحرب الأهلية التي اندلعت بين جناحين في الحزب الاشتراكي الحاكم، وخلفت كارثة إنسانية واقتصادية وشرخاً اجتماعياً كبيراً. وتمكن بأناة شديدة أن يحوّل الحكومة الى ورشة عمل لتجاوز الأزمة، في الوقت الذي كان فيه التوتر على أشده بين الجنوب والشمال. لكنه لمع حين قررت قيادة الحزب برئاسة علي سالم البيض أن تسير في خط الإصلاح الاقتصادي والدخول في مفاوضات الوحدة.
وفي هذه الفترة بقي يعمل في الظل، لكن لمساته كانت واضحة كخبير في مواجهة الأزمة وإدارتها على نحو واجه فيه الجنوب تداعيات الدمار الذي خلفه النزاع الأهلي واستيعاب صدمة انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي كان الجنوب يرتبط به على نحو عضوي ويتلقى منه مساعدات كبيرة.
برز نعمان على المسرح السياسي، حين تولى رئاسة أول مجلس نواب لدولة الوحدة، وهو المجلس الذي تكوّّن من دمج المجلسين السابقين في الجنوب والشمال. وكان المجلس في حينه أشبه بخلطة سوريالية، وكان عليه أن يقود العمل التشريعي لدولة الوحدة خلال الفترة الانتقالية التي حددت بعامين ونصف عام. وسرعان ما بدت هذه المهمة شاقة، لكن نعمان تعامل معها بمرونة، وكان في كثير من الأحيان يستعيد دور الأستاذ الجامعي الذي يتولى الشرح لطلبة لم تكن تربطهم بالمقعد الذي يجلسون عليه صلة، النواب كانوا هناك بفضل الاصطفافات السياسية، وكان على نعمان أن يتولى مهمة تأهيلهم ليصبحوا نواباً للشعب. إلا أنه لم ينجح في هذه المهمة لأن الظرف السياسي العام لم يكن مهيّأً لإحداث نقلة على صعيد العمل البرلماني، فصار البرلمان في تلك الفترة ساحة مفتوحة للنزاع بين شريكي الوحدة، ولم يتمكن من تمرير القوانين التي أراد الجنوبيون أن يشرّعوها على طريق بناء دولة الوحدة، ومنها قوانين تنظيم حمل السلاح، وتنظيم القضاء والتعليم، والرقابة على المال العام ووقف تصرف الرئيس بموازنة الدولة من دون رقابة ومحاسبة. لذا خرج نعمان مع بقية رفاقه الجنوبيين من مشروع الوحدة ليعود مع العائدين الى عدن في نهاية سنة 1993، ومن هناك أدى دوراً أساسياً في التوصل الى «وثيقة العهد والاتفاق»، التي كانت مشروعاً متكاملاً لبناء النظام اليمني الجديد، لكن المتضرر الأساسي منها، وهو الرئيس علي عبد الله صالح، أشعل الحرب في 27 نيسان 1994، ودفع بالجنوبيين الى مغادرة البلاد، وكان نعمان من بين الذين قصدوا درب المنفى، واستقر في أبوظبي سنوات عدة، قبل أن يعود وينخرط من جديد في العمل الحزبي وقيادة الحزب الاشتراكي الذي خرج من المعادلة بعد حرب 1994، وتحوّل الى حزب مغضوب عليه، وأمّمه صالح الذي عدّه قطاعاً عاماً وصودرت أملاكه ومقارّه وأمواله.
وعاد نعمان من جديد إلى الواجهة القيادية، وأدى دوراً كبيراً في اتفاق أحزاب اللقاء المشترك على مرشح للمعارضة سنة 2007 في مواجهة علي عبد الله صالح، وكان المهندس فيصل بن شملان، الذي خسر المعركة بالتزوير حسب شهادة الأطراف كافة، بما فيها الأوساط القريبة من صالح.
كانت تلك التجربة مثالية للعمل الجبهوي من داخل ما عرف باللقاء المشترك، ولكن كان من الواضح أن هذا الجسم لن يتمكن من الصمود زمناً طويلاً، وذلك لجملة من الأسباب. الأول أنه قام لمواجهة صالح، وما جمع أطرافه هو التكتل ضد السلطة، ولم يكن مشروعاً سياسياً قائماً على برنامج عمل بعيد المدى. ثانياً: الاختلاف السياسي بين أطرافه، فالإصلاح حزب إسلامي دفعته التقيّة السياسية إلى التحالف مع الحزب الاشتراكي، الذي كان برأيه الى وقت قريب حزباً ملحداً لا حق له في البقاء على قيد الحياة السياسية، وكان العديد من شيوخ الإصلاح، وعلى رأسهم عبد المجيد الزنداني، يدعون الى اجتثاث الاشتراكي. ثالثاً: الاختلاف على مقاربة القضايا الكبرى، مثل النزاع في صعدة والقضية الجنوبية. فالحوثيون بالنسبة إلى الإصلاح تيار مذهبي شيعي، ولذا يشترك الحزب السلفي مع النظام في شن الحرب، وليس سراً أن صاحب مشروع الحرب على صعدة هو اللواء علي محسن الأحمر، الذي يعدّ ضابط إيقاع الحركة السلفية ورجل الإصلاح في داخل الحكم.
أما بصدد الجنوب، فإن نعمان يرى أن حل القضية الجنوبية هو المدخل الفعلي لحل أزمة اليمن، وهو غير بعيد عن مشروع الفيدرالية، وهذا أمر لا يقرّه الإصلاح، ويعارضه الزنداني وعلي محسن.
والسبب الرابع هو أن اللقاء المشترك متنازع بين قطبين كبيرين، هما: الإصلاح والاشتراكي، وكل منهما يعاني بدوره مشاكل وتجاذبات داخلية، فالإصلاح هو عبارة عن تلاقي مصالح بين شيوخ القبائل ورجال الدين، ويتحكم به القرار القبلي أكثر من سلطة رجال الدين، عدا عن أنه يعدّ بمثابة جزر تتبع كل منها لنجل من أنجال الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، ولأول مرة يحسم هؤلاء قرارهم ويمثّلون كتلة واحدة ضد الرئيس اليمني. أما الاشتراكي فهو مثار تجاذب بين الجنوبيين والشماليين، وقد غادره خلال السنوات الأخيرة عدد كبير من كوادره وقادته الجنوبيين، في اتجاه الالتحاق بالحراك الجنوبي.
كان بإمكان اللقاء المشترك أن يستمر في اللعبة القديمة، من خلال ممارسة دور المعارضة التي تحولت الى حالة رمزية، ولم تلتقط أنفاسها إلا مع انطلاق الثورة الشبابية، التي أعادت خلط الأوراق وغيّرت من أجندات كل الأطراف، وتبيّن منذ بداية الحركة الاحتجاجية أن الاشتراكي والإصلاح ليسا على الموجة ذاتها، فالاشتراكي أقرب الى مشروع رحيل النظام برمته، أما الإصلاح فإن حساباته مستندة الى اعتبارات أخرى تنحصر في وراثة النظام، ويعزز من ذلك حضوره في داخل الجيش، وصلاته القبلية، ولذا فإن ما يناسبه هو رحيل صالح وإبقاء الوضع على ما هو عليه، الأمر الذي يفسر شروع أنصاره في تمييز أنفسهم عن بقية المعتصمين.
التلويح باستقالة نعمان من رئاسة اللقاء المشترك يعدّ إشارة واضحة إلى بروز شرخ كبير في هذا التحالف، لكنه مؤشر على مسألتين هامتين. الأولى تتعلق بالصيغة التي ستطوى من خلالها صفحة علي عبد الله صالح. والثانية ترتبط بالتفاهمات على طبيعة المرحلة المقبلة. وفي الحالين، لا يقف الأمر عند الاشتراكي والإصلاح، فالشارع هو صاحب الصوت العالي حتى الآن. وإزاء ذلك، لا يملك نعمان إلا أن يميز نفسه عن قيادة حزب الإصلاح في هذه المرحلة، لأنه لا يستطيع أن يبرر لجماهيره قبول المبادرة الخليجية التي تبقى متخلّفة جداً عن مطالب معظم المعتصمين. والملاحظة الجديرة بالاهتمام هنا هي أنه كلما اقترب أجل رحيل صالح، ازدادت شقة الخلاف داخل اللقاء المشترك.